ذكريات أطفال العراق



قبل أيام وبينما كنت الملم بعض أوراقي في غرفتي وجدت مجموعة من الأوراق كتبتها ابنتي الصغيرة، وهي عبارة عن بعض ذكرياتها التي تركتها خلفها في العراق.
ومما جاء في تلك الورقات:- (" في يوم من الأيام كنا نجلس كأي عائلة، أنا ووالدتي ووالدي وإخواني وأخواتي، طلبت من أمي النزول إلى الشارع للعب مع رفاق العمر، فوافقت أمي على ذلك، فنزلت إلى الشارع، وفجأة رأيت شيئا غريبا- غير مألوف - لم أر مثيلاً له في حياتي، شيئا حديدياَ يتحرك لونه لون عسكري، وفيه منظار، تمعنت فيه جيدا، رأيت السلاح على سطحه،  كنت مستغربة لم استطع الوقوف على قدماي وقتها.


وبدأت أبكي وأبكي صعدت راكضة إلى المنزل، وفي عينيَّ الدموع، تنهمر واحدةً تلو الأخرى، رأتني أمي وقالت ما يبكيك؟؟؟ قلت: لها رأيت شيئا غريبا!! نظرت أمي من النافذة وقالت بلهجة عراقية عامية (عراقنا أنهدم) نظرت في عيون أمي مستغربة من كلمتها، وقلت لها: ماذا يحدث؟ منْ هؤلاء؟ ولم هم في أرضنا؟؟؟ قالت: وعلى خدودها الدموع، والحسرة تنبع من قلبها: هؤلاء أعداؤنا. نهض أبي الصحفي ليذهب إلى الجريدة، ويكتب ما رأى  والحيرة في عينيه، يتمنى لو انه كان في حلم، وبعد مرور ساعتين على رؤيتي تلك القوات، وبعد أن عرفت أنها قوات أجنبية غازية، سمعت صوتا هزَّ منطقتنا بأكملها، والغبار ملأ الشوارع وبدأ الناس يهربون ويركضون!!!

وفي ظل هذه الربكة، رأيت أن الحادث قريب من بيت صديقتي فقررت أن استأذن من أمي للذهاب لها، وهي صديقتي التي رافقتني منذ الولادة، لكن أمي رفضت وبشدة، عرفت أن شيئاً ما قد وقع في الحي، وأرادت أمي أن تخبأ الخبر عني، وبعد مرور يوم واحد على الاحتلال نزلت للشارع لكي ألعب مع صديقاتي، وقفت عند الشجرة التي نتقابل عندها، انتظرت طويلاًَ طويلاًَ، ولم تأت رفيقتي، يومها قررت الذهاب إلى بيتهم للاطمئنان عليها، دخلت إلى العمارة وكان بيدي بعض الأشياء الجميلة التي نتسلى بها، وحينما اقتربت من باب العمارة، وسمعت صوت صراخ وبكاء صعدت إلى منزل رفيقتي، وعلمت أن الصوت البكاء من نفس المنزل الذي أقف بجانبه، نظرت إلى الباب كان مفتوحاً، دخلت إلى المنزل، ورأيت مجموعة من النساء يبكينَّ بصوت مرتفع، نظرت إلى والدة رفيقتي كانت تبكي بشدة وتلطم على وجهها، ظننت أنهم يبكون بسبب الاحتلال، وصرخت أين أنت يا رفيقتي تعالي لتلعبي معي؟!!

أتت عليَّ خالة صديقتي، وقلت لها أين ليلى، قالت لي: رفيقتك لم تأت للعب معك اليوم. استغربت لماذا؟ هل عملت شيئا فادحا؟ قالت خالتها: لا لكن صديقتك ذهبت إلى السماء، فقلت ما يعني للسماء، قالت: ليلى ماتت، قتلتها القذيفة الأمريكية التي وقعت البارحة!!
علمت حينها أنها توفت.


وقعت الحلوى من يدي، وجلست على الأرض، وفي عيني الدموع تنهار، وصرخت بصوت عال (من قتلها، أين هو؟؟) قالوا لي جنود الاحتلال قتلوها ورحلوا من الحي. حملت الحلوى من على الأرض، وركضت للشارع لكي اضرب العدو بها، انتظرت طويلا، وطال الانتظار، لكن لم يأت احد يومها. صعدت على المنزل، وأنا مليئة بالألم والكآبة.

وبعد مرور عامين على دخول المحتل إلى بلدي وعلى رحيل صديقتي، كنا نجلس أنا وأختي على الرصيف، نزل والدي من المنزل كان يتجه إلى السيارة كان قلقاًَ لا يريد ركوب سيارته وينظر إليَّ والى أختي بعيون بريئة؛ كأنه يريد أن يرحل عن الدنيا بأكملها، ذهب أبي.
وبعد ذهاب أبي قالت أمي: لأخي الكبير: هيا اذهب، واجلب لنا مفاتيح وإقفال لنقفل البيت.


وفي نفس الوقت قالت أمي هيا وضبوا أغراضكم للذهاب إلى بيت جدتكم، وهذا الكلام كله بعد أيام من خروج والدي من المعتقل، وضبنا الأغراض الخفيفة فقط مثل الملابس وغيرها، أتى أخي ومعه مفاتيح، خرجنا من المنزل مسرعين، وأغلقنا الباب الخارجي بالمفاتيح، ونظرت إلى المنزل بنظرة - قلبي توجع يومها بسببها- شعرت انه آخر يوم أرى فيه هذا المنزل، ذهبنا إلى منزل جدتي، وسألت أمي أين والدي؟ قالت لي والدك سافر إلى دولة من الدول العربية!!! استغربت لماذا لم يأخذن بأحضانه، لماذا لم يقبلن. قالت لي: لان الأمر كان سري، ولا يريد أن ينتبه أحد لخروجه. وبعد مرور (25) يوماً على رحيل أبي، وعلى تركي منزل الطفولة قالت أمي هيا غيروا الملابس للذهاب برحلة جميلة، غيرنا ملابسنا، وركبنا في سيارة كبيرة تسع لسبعة ركاب، وتحركت السيارة، وفي الطريق عرفت أننا سنلحق بابي، رأيت الطريق أصبح طويلا جدا، أغرقت في النوم وعندما اوقظتني أمي رأيت والدي أمامي بكيت وبكيت ليس من اجل والدي لكن لم أودع لا أقربائي ولا رفاقي، وتيقنت انه – بالفعل - هذا آخر يوم أرى فيه منزلنا الرائع، وعلمت قيمة كلمة أمي التي قالتها في اليوم الأول لدخول قوات الاحتلال" إنهدم العراق"، لقد كانت حقيقة؛ لان العراق بالفعل أنهدم، وعلمت إنني لن أراه ثانية.

أما الآن فأنا وعائلتي مازلنا في الدولة العربية المجاورة، وما زال لدينا الأمل بأن نلقى الرفاق والأهل بعد مرور ثمان سنوات على رحيلي من بلدي، وأنا متأكدة تماما أنهم نسوا ملامح وجوهنا كما نسيناهم، منهم من رحل وهجر، ومنهم من توفي، ومنهم من لا يزال على قيد الحياة، لكن يحمل إعاقة دائمة.

أتمنى من الجميع عدم ترك بلده الذي احتضنه ليالي وأياما، ادعوا لي بأن أعود إلى هذا الوطن مع تحياتي لكم" : المغتربة صفا الشمري).
هذه هي ذكريات أطفال العراق، فكيف هي ذكريات شيوخ وشباب ونساء العراق الجريح؟!!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ملآذات كانت آمنة!

الأخوة "الأعداء"!

تناقضات!