ملاحظات أحمد الكاتب على مقالي في السبيل (2)



في سياق إكمال ردي على ملاحظات الباحث الإسلامي السيد احمد الكاتب؛ سأتحدث هنا عن الدور التخريبي لأغلب رجال العملية السياسية في مرحلة ما بعد الاحتلال، فمنذ أن تشكل ما سمي مجلس الحكم في 12 تموز/ يوليو 2003م، بقرار من "سلطة الائتلاف الموحدة" ومُنح صلاحيات جزئية في إدارة شؤون العراق، وكانت سلطة الائتلاف الموحدة تمتلك الصلاحيات الكاملة حسب قوانين الحرب والاحتلال العسكري المتفق عليها في الأمم المتحدة،
وامتدت فترة الصلاحيات المحدودة لمجلس الحكم من 12 تموز/ يوليو 2003 حتى الأول من حزيران/ يونيو 2004م، حيث تم حل المجلس ليحل محله "الحكومة العراقية المؤقتة". وكان مجلس الحكم يتألف من ممثلين عن أحزاب وتكتلات عراقية مختلفة كانت في السابق معارضة للرئيس العراقي السابق صدام حسين، ومنذ ذلك التاريخ، وحتى الساعة والعراق يرزح تحت نير الظلم المزدوج من سفاحي قوات الاحتلال "المحررة"، ومن سفاحي المليشيات الإجرامية التي قتلت العراقيين على الهوية.
ومن أكبر جرائم غالبية القوى التي جاءت ما بعد الاحتلال هو نحتها المستميت على صخرة العراق الأبي من اجل تفتيت اللحمة الوطنية بين العراقيين، بمسميات لم يعرفها شعبنا من قبل، وهي دعوات طائفية هزيلة قُتلت على يد العراقيين بوعيهم التام لهذا المخطط الذي هو في الحقيقة اللبنة الأولى للمخطط الأكبر التقسيمي التخريبي الذي رتبه ثعلب السياسة الأمريكية جو بايدن، وهذا المشروع التخريبي هو من بركات المعارضة "الثورية" التي تتباهى اليوم انها تحكم العراق، ولولا أمريكا لما تمكنت من الوصول إلى عشر ماهي عليه اليوم، وهذا ليس فخراً لها لان المعارضة الحقيقية هي التي تضحي بالغالي والنفيس من اجل تحقيق أهدافها التي تؤمن بها، ولا تتآمر على أبناء جلدتها مثلما فعل اغلب رجال المنطقة الخضراء في بغداد.
وحينما تسلم هؤلاء الرجال الملفات المختلفة في البلاد أثبتت الأيام فشلهم المخيف في فن الإدارة، مع العلم أنهم تدربوا في العديد من الدوائر الامبريالية استعداداً لهذا اليوم، وهم على الرغم من ذلك خائبون فاشلون، والعراق في زمنهم المرعب فقد أكثر من مليوني شهيد، وما يزيد على ثمان مئة ألف سجين ومعتقل لا يعرف مصير أكثرهم إلى الآن، ونحو مليوني أرملة وخمسة ملايين يتيم، وسبعة ملايين مهاجر ومهجر خارج العراق وداخله، ولا زالت الاعتقالات والاغتيالات بالمتفجرات والكاتمات وغيرهما تحصد بأرواح العراقيين دون خوف من الله تعالى أو وازع من ضمير، مع وجود عشرات الآلاف من العراقيين الذين يسكنون الأكواخ والخيم البالية التي لا تمنع البرد ولا تقي حر الشمس، ويعيشون على القمامة، يضاف إلى ذلك استمرار عجز الحكومات المتعاقبة في حل مشاكل العراقيين، ومنها البطالة والفقر والأمية والأمراض المستعصية التي تفتك بأبناء شعبنا، وبنسب مخيفة وعالية جدا دون اهتمام، أو تفكير في معالجة هذه الآفات الاجتماعية الخطيرة من قبل رجال "الديمقراطية في العراق الجديد"؟!!
وسأورد هنا بعض الحقائق التي ذكرتها منظمات عالمية، وسأحاول أن اذكر ما صدر في عام 2011، بخصوص العراق وأهمل السنوات الماضية؛ لأن هذه الفترة كافية لإثبات فشل هؤلاء في إدارة البلاد، ففي يوم 6/ 4/ 2011، وصفت دراسة أمريكية نشرها معهد كارنيغي لأبحاث السلام الدولي، أحد أبرز مراكز صناعة السياسات في واشنطن، أن في العراق نظاماً تعددياً لكن رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي يحاول أن يتعامل بشكل استبدادي "دكتاتوري" مع السلطة، وأظهر نزعات استبدادية واضحة ومقلقة، وأن النظام غير ديمقراطي، ولكنه تعددي. ونتيجة لذلك، فإن الاحتجاجات الأخيرة هزّت الائتلاف الحاكم في العراق، وأثّرت على العلاقة بين الحكومة المركزية والمحافظات.
في يوم 5 /4/ 2011 أعلن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، في تقرير إلى مجلس الأمن أن ما لا يقل عن ثلاثة وعشرين شخصا قتلوا وأصيب مئة وستة عشر آخرين خلال التظاهرات التي شهدها العراق خلال الشهرين الماضيين. وأن قوات الأمن استخدمت العنف ضد المتظاهرين المطالبين بإصلاحات خدمية؟!!
هذه هي "الديمقراطية الدكتاتورية" التي تعمّ العراق اليوم، وسأكتفي بهذين التقريرين؛ لأن الحديث عن التقارير الدولية والمحلية المؤكدة للأوضاع المزرية في العراق "الديمقراطي" والمتعلقة بانتهاكات حقوق وكرامة الإنسان، والفساد المالي والإداري، في أغلب دوائر البلاد، والسجون السرية والمليشيات المتغلغلة في أغلب الدوائر العسكرية والمدنية، اعتقد أن الكلام عن هذه الملفات يحتاج إلى مئات المقالات.
عموماً، هذه بعض الصورة المؤلمة التدميرية التي لحقت بالعراق في عصر الديمقراطية الزائفة، ولولا هذه (الدم قراطية) لما تركنا بلادنا وتغربنا في أرجاء المعمورة، وصارت بغداد الحبيبة ورؤيتها حلما للملايين من العراقيين، فتعساً لهذه الديمقراطية التي تقتل الأبرياء، وتذبح العلماء، وتستبيح الحرمات، والله في عونك يا عراق.
وإذا كنا قد أُرغمنا قسراً على هذه الغربة، فإلى متى تبقى في غربتك الاختيارية يا سيدي الكاتب، إذا كان العراق كما تقول؟!!
أما العراق الذي أريده -يا سيدي الكريم- فهو عراق ينعم أهله بالاستقرار والرفاهية والكرامة وحرية التعبير على كافة الصعد السياسية والاجتماعية والثقافية وغيرها، وهذا ما لم نلمسه من قادة المنطقة الخضراء منذ عام 2003، وحتى الآن؟!!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تجارة المناصب!

تناقضات!

الشرف السياسي!