أين العراق.. أين أحبابي؟



عمر الإنسان يجري بسرعة غريبة في أيام الفرح والسرور، لكنه يكون ثقيلاً في ساعات الأحزان والأتراح، وهي في الأصل ذات الأيام والسنوات، فلماذا يختلف الاحساس البشري بالوقت في كلا الحالتين؟!
المسألة ببساطة مرتبطة بالحالة النفسية للإنسان، ففي الأفراح نشعر بمتعة الزمان والمكان، وبالتالي لا نلاحظ مرور الوقت في تلك اللحظات، وعلى عكس ذلك حينما نشعر بالألم والآهات.
والإنسان متقلب في هذه الدنيا بين أزمنة الفرح والمتعة، والألم والشقاء، وهذا تماماً ما وقع للعراقيين قبل، وبعد، عام 2003, ففي مثل هذه الأيام قبل تسع سنوات عبرت الحدود لعل الله يجعل للأوضاع في الغابة العراقية مخرجاً، ثم نعود لبلادنا، وما كنت أظن أن الأمر سيستغرق أكثر من ستة إلى تسعة أشهر، وإذا بها سنوات تنقضي بكل آهاتها وأحزانها، وأخذت معها الصحة والسرور والأماني.
يا عراق، يا بلدي الحبيب، روحي تسكن في ثناياك، وجسدي خارج حدودك. واهم من يظن إننا تركناك ولم نعد إليك، نحن لم نغادرك حتى نقول إننا سافرنا، كل ما في الأمر إننا ختمنا جوازاتنا بالمغادرة فقط، بينما – يعلم الله – إنك تعيش في أرواحنا، وضمائرنا.
منذ أكثر من تسع سنوات، وهم يحاولون اختطافك واغتيالك، وأنت شامخ كشموخ جبال شمالنا الحبيب، وكصمود وجلادة أهلنا وأخوتنا الأكراد. حاولوا قتل روحك الكريمة المليئة بكرم أهلنا في الجنوب والشرق والغرب، إلا أنهم فشلوا، وسيندمون على كل هذه المحاولات الخائبة؛ لأنهم لا يعرفون من أنت!
العراق بلد الحضارة، والمقاومة والتحدي والشموخ والطيب والكرم والسلام، وهذه هي صفات العراق باختصار.
وطني الحبيب: بعيداً عنك نسينا كلمة (هلة) المميزة باللهجة العراقية، والتي يقولها الفقير والغني لضيوفهم في ربوع بلادنا، وهي كلمة مرادفة لكلمة أهلا وسهلا. هذه الكلمة، مع كلمة صبحكم/ أو مساكم الله بالخير/ هي من مميزات اللهجة العراقية، وهي تعبر عن الحب والاحترام للضيف.
والعراقيون على الرغم من بشاعة الأحداث التي ألمت بهم، وحجم الكوارث التي نزلت عليهم، إلا أن غالبيتهم ما زالوا - حتى الساعة- يحافظون على هذه العادات والتقاليد الجميلة.
كل شيء في العراق مميز، كتميز دجلة والفرات، المطبخ العراقي، معروف بأكلاته المتميزة الدسمة، ومنها الكباب العراقي، والباجة (لحمة الرأس)، والدولمة، أو كما يسميها الأخوة في الشام المحاشي، والكبة الموصلية، والحلاوة النجفية، وقيمر الحلة، وغيرها الكثير من الأكلات المرتبطة بأسماء بعض المحافظات في بلاد الرافدين.
أما الشاي العراقي فهو مضرب الأمثال، ويمتاز بإضافة الهيل، وأنه عادة ما يكون ثقيلاً، والعراقيون يتمتعون بشرب الشاي، حتى لو كانت درجات الحرارة أكثر من (50) درجة مئوية، وهذا سر لا يمكن تفسيره حتى الآن؟!
الله، الله، الله، ما أطيب بساطة العراقيين، بساطة مليئة بالخير والبركة، أهلي لا يعرفون التكلف، وأحلى ما في طباعهم هي العفوية، وحب الحياة.
العراقيون مليئون بالأمل، ورغم كل الصور المؤلمة التي تملأ المشهد العراقي اليوم، ستبقى بغداد، نبع العطاء المتجدد، وحاضرة الدنيا، وليل بغداد الطويل سينجلي بفجر نهاره مليء بالعز والكرامة والحرية، والانتماء للأمة العربية والإسلامية.
فجر يشعر فيه الإنسان بإنسانيته، يثور فيه الأخيار على منابت الشر، وأنصار الشيطان، وحينها يعرف العالم حقيقة الثوب الممزق الذي أُرغمت بغداد الحبيبة العفيفة الطاهرة على ارتدائه. ثوب مصبوغ بدماء الشهداء الأحرار، ومطرز بآهات الأبرياء الذين وصلت صرخاتهم، وهم في السجون السرية والعلنية، إلى عنان السماء، وخيطته أنامل الظلمة الذين نحروا الحرية والعفة والصدق على أرض الرشيد الطاهرة.
ستبقى بغداد، رمز التضحية والكرم والسلام، وأتذكر هنا أبياتاً جميلة للشاعر العراقي المرحوم شفيق الكمالي، وهو يقول:-
بغداد..ما سطـرت للعـزّ ملحـمـة
إلاّ وأنت لهـا العنـوان والصّـورُ
وأنت أنـت جبيـنٌ مشـرقٌ أبـداً
شمساً أمام سناهـا اللّيـل ينتحـرُ
من كان مثلـك لا يخشـى مناكـدة
وأيّ شيء يخافُ الصـارمُ الذكـرُ
عاث الطواغيت فالإنسان مستلـبٌ
والأرض نحو شراك الشـرّ تنحـدرُ.
إلى أن يقول:-
بغـداد يا جنّـةَ الدنيـا وزهوتهـــــا
ويا حقيقـة ما قالـوا وما سـطـروا
بغدادُ كنـتِ لكـل العـرب مفخـرةً
واليوم أنت لكـل العـرب مفتخــرُ.

وكل عام والعراق بخير.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تجارة المناصب!

تناقضات!

الشرف السياسي!