مستقبل التربية والتعليم في العراق



قُـم  لِـلـمُـعَـلِّمِ  وَفِّهِ  التَبجيلا!! ... كـادَ الـمُـعَـلِّمُ أَن يَكونَ رَسولا
أَعَـلِـمتَ أَشرَفَ أَو أَجَلَّ مِنَ الَّذي ... يَـبـنـي  وَيُـنشِئُ أَنفُساً وَعُقولا!!
هذه هي مكانة المعلم في حضارتنا الإسلامية العربية؛ لأننا نعتقد، اعتقاداً جازماً، أن المعلم هو القائد الأول بعد العائلة في تقويم السلوك البشري.


وفي هذا الجانب الحيوي المهم وصلتني الرسالة الآتية من قارئة من مدينة الموصل الحدباء ذكرت فيها جملة من الآلام التي يعاني منها قطاع التربية والتعليم في العراق، ومما جاء في رسالتها" العراق يعيش في حالة توقف عن مواكبة التطور الحاصل في العالم، الفشل في كل المديريات من الألف إلى الياء، سنترك مديرية الاعمار والإنشاء والصحة والمجتمع وغيرها، وحتى لا أطيل عليك فإنني سأتطرق إلى ميدان وزارة التربية والتعليم والتي جرى فيها الآتي:- 
1- تغير الناهج في أثناء المرحلة الدراسية. 
2- تنفذ قراراتها أثناء المرحلة الدراسية وبالأحرى في نهاية السنة الدراسية.
3- تغير المناهج يكون بشكل غير متسلسل مع عدم تطوير الكادر التدريسي.


أما في المرحلة الثانوية فالمشكلة مركبة من جوانب نفسية وجسدية وعذاب، حيث إن الكتب المنهجية فيها نقص كبير، والمناهج تتغير بعد نصف السنة، الكادر التدريسي غير متوفر في اغلب المدارس. وهناك قمع للمواهب، هناك إهمال، الكثير من الطلبة يتميزون بمواهبهم الشعرية والأدبية والعلمية، ومواهب الرسم الفن وهوايات ممارسة الرياضية الحاسوب مع حزني الشديد على قول هذا وعلى جهلنا حسبنا الله ونعم الوكيل". انتهت الرسالة.

بداية أنا احترم وجهة نظر السيدة الكريمة التي بعثت الرسالة، وطلبت مني أن انقل بعض معاناة الطلبة العراقيين في ظل الإهمال الحكومي للقطاع التربوي، وأحب أن أؤكد أن المعلمين والمدرسين هم من النخب المجتمعية التي لا يمكن أن تكونوا إلا أداة بناءة في العالم، والمعلم العراقي عرف بغيرته ونخوته التي دفعته للصمود والعطاء في أصعب الظروف، ولا أنسى إنني في يوم من الأيام كنت مدرساً في مدينتي التي هجرت منها رغماً عني، وإن خيرت بين جميع وظائف الدنيا والتدريس، لاخترت أن أكون مدرساً، وهذا طموحي الذي لا ينقطع.

المعروف لكل متابع لقطاع التعليم في العراق أن التعليم  هو تعليم إلزامي، كما في العديد من دول العالم، وأول قانون للتعليم الإلزامي شرع بعد ثورة الرابع عشر من تموز 1958، في حين شرعت الدولة العراقية السابقة بحملة مكافحة الأمية في أوائل سبعينيات القرن الماضي.

واحتفل العراق في عام 1991 بخلو البلاد من الأمية، بعد أن أطلقت السلطات حملة واسعة للقضاء على الأمية منتصف سبعينيات القرن الماضي، وانخرط آنذاك مئات الآلاف من كبار السن والشباب، الذين لم يلتحقوا بالمدارس، في دورات مكثفة، وطبعت مناهج خاصة وشارك في التدريس عشرات الآلاف من المعلمين.

وبعد الاحتلال الأمريكي للعراق، دمرت الحياة في كل مجالاتها الحيوية، ومنها التعليم، حيث نجد أن آكلة الإهمال والأمية والتخريب المقصود قد أنهكت هذا القطاع الحيوي لنهضة الأمة.
والمعروف أن العملية التربوية تتألف من المدرسة، أو المعلم والمنهج، أو الكتاب، والركن الثالث هو الطالب، فكل هذه العوامل مجتمعة هي التي تبني جيلاً منتجاً.


الركن الأول والاهم من أركان العملية التربوية، وهو المعلم الذي نكن له كل الود والتقدير؛ لأنه شمعة تحترق في سبيل الآخرين، وكذلك المدرسة التي تكون الأجواء التدريسية، أقول انه، وفي هذا الإطار نجد في العراق اليوم أكثر من ألف مدرسة طينية. نعم العراق الجديد فيه( 1000) مدرسة طينية، وقد يستغرب كثيرون عندما يعلمون أن في عام 2011 هناك أكثر من ألف مدرسة طينية، ما زالت تحتضن الطلاب ويلقي المعلمون فيها دروسهم، في وقت يشير التاريخ إلى أن المدارس الطينية هذه استغنى عنها العراقيون في زمن العباسيين الذين اهتموا بالتعليم وبنوا أول جامعة في التاريخ (الجامعة المستنصرية) فيما استحدثوا مدارس للأطفال تتلمذ فيها خيرة علماء عصرهم، وكذلك فان ميزانية العراق تعد الأكبر في تاريخه، وكذلك قياساً بأغلب البلدان المجاورة له، لكن هذه هي الحقيقة المرة، والتي تعترف بها الحكومة الديمقراطية..

المشرف الاختصاصي في وزارة التربية أحمد عودة أكد أن حوالي 1000 مدرسة من الطين ما زالت تعمل في بعض محافظات العراق، خصوصاً في الأنبار وذي قار ومناطق نائية، حيث اعتاد السكان في بعض القرى، ومن أجل تأمين مدارس قريبة من محل سكناهم، التبرع بالأرض وبناء مدرسة طين على نفقتهم الخاصة في مقابل أن توفد الدولة كوادر تعليمية؟!!، ولا يتعدى عدد صفوف مدرسة الطين ثلاثة أو أربعة بسبب قلة عدد الطلاب أو تقسيم فترة دراستهم على مرحلتين صباحية ومسائية.

وفي يوم21/2/2011، احتضنت مدينة اربيل ورشة عمل لتطوير الإستراتيجية الوطنية لمحو الأمية في العراق حيث أفاد مصدر في وزارة الهجرة والمهجرين أن منظمة اليونسكو تشرف على الورشة المذكورة، والتي تهدف إلى صياغة إستراتيجية وطنية لتقليل نسبة الأميين في العراق خمسين بالمائة حتى عام 2015، وأن الإحصائيات أن 20% من العراقيين يعانون من الأمية، فيما ترتفع هذه النسبة في الأرياف قياسا بالمدن، ولدى النساء قياسا بالرجال. وحسب تقــرير للأمم المتحدة، فإن واحداً من كل خمسة عراقيين في عمر 15 سنة لا يجيد القراءة والكتابة؟!!

وهذا كله بسبب انشغال اغلب السادة المسؤولين بتضخيم حساباتهم على حساب الشعب العراقي، وفي يوم 15 آذار/ مارس 2011 اتهم النائب طلال الزوبعي عن القائمة العراقية، وزير التربية الحالي محمد تميم، بمنحه عقودا لطباعة المناهج الدراسية لشركات على صلة بأقاربه، وقال الزوبعي إن " البرلمان العراقي سيستضيف وزير التربية محمد تميم، لأسباب كثيرة، ومن ضمن هذه الأسباب منحه عقودا لطباعة المناهج الدراسية وصناعة الرحلات المدرسية لشركات ذات صلة بأقربائه وبجبهة الحوار الوطني التي ينتمي إليها"، وفقا لقوله. وكانت وزارة التربية قد شهدت تقديم وكيل وزارة التربية علي الإبراهيمي، في الثاني من آذار، استقالته من منصبه إلى وزير التربية إلا أن الوزير لم يوافق عليه لحد الآن، على خلفية ما حصل من ردود أفعال خلال الحديث عن واقع التعليم ومستوى الكوادر التعليمية والتدريسية في العراق. وشهد العراق، يوم الرابع من  مارس، والـ25 من شباط 2011، تظاهرات جابت أنحاء البلاد تطالب بالإصلاح والتغيير والقضاء على الفساد المستشري في مفاصل الدولة، نظمها شباب من طلبة الجامعات ومثقفون مستقلون عبر مواقع التواصل الاجتماعي في شبكة الإنترنت.

وبعد مرور أكثر من ثمان سنوات على ما يسمى التغيير في العراق لا يزال ملف تغيير المناهج الدراسية في هذا البلد الشغل الشاغل لوزارة التربية والبرلمان، حيث أشار مدير عام المناهج المدرسية في الوزارة الدكتور غازي مطلك في العام الدراسي الماضي، إلى إلغاء مناهج وإضافة أخرى وتعديل بعضها، وأن تأليف الكتب المدرسية جاء بعد الاطلاع على تجارب الدول المتقدمة في تأليف المناهج، واخترنا التحول إلى كتب تفي بالغرض وتناسب المستوى العلمي وتتيح رفد المجتمع بكفاءات قادرة على بنائه، وأن المناهج الجديدة تتضمن إشارات وتوجيهات لضمان حقوق الإنسان والحفاظ على البيئة والصحة العامة.

وهذا الكلام لا يمكن قبوله في الواقع التدريسي، حيث إن المعلم يحتاج، كما هو معروف في كل العالم، في مرحلة تغيير المنهج إلى دورات مكثفة لاطلاعه على ما هو جديد فيها، وهذا ما لا يتم اليوم في العراق، حيث إن المناهج تغير أثناء فترة الدراسة، بينما المنطق يقول ينبغي أن تغير المناهج في العطلة الصيفية وخلالها يتم إدخال المدرسين لدورات مكثفة مدفوعة الأجر، من اجل تطوير قابلياتهم في المناهج الجديدة؟!!

المرارة التي ملئت الأنفس والأرواح بسبب تردي الحال في عموم البلاد، وليس في قطاع التعليم، تدفعنا إلى التركيز على قطاعي القضاء والتعليم لأنهما عصب الحياة فإذا استشرى الظلم بغياب العدالة فان السجون ستملئ بالأبرياء، وهذا ما جعل الحكومة تعمل على تشويه سمعة القضاء العراقي العريق، عبر احتجاز المعتقلين وعدم تقديمهم للمحاكم، وكذلك عبر الإهمال المقصود للقطاع التربوي، وإلا كيف يمكن أن نفسر أن هنالك اليوم في العراق أكثر من 20% من الشعب لا يقرؤون ولا يكتبون، واليابان قضت على الأمية منذ سنوات عديدة، والأمية اليابانية ليست القراءة والكتابة وإنما القدرة على استخدام الحاسوب بثلاث لغات، فأين الأمية العراقية من الأمية اليابانية؟ حقيقة لا يمكن للمنصف أن يجد الإجابة بسهولة بسبب التناقضات القاتلة في عموم الحياة العراقية اليوم!!!

المؤامرة التي يتعرض لها العراق كبيرة وخطيرة؛ لأنها تستهدف الفكر، وكل المؤامرات تتلاشى أمام المؤامرات التي يراد منها تدمير البلاد عبر التثقيف السلبي المتقوقع على أفكار غير متفق عليها، وبالتالي ستقود هذه السياسات إلى عواقب وخيمة في المستقبل المتوسط والبعيد.

كيف يمكن أن ننهض بالبلاد بينما واقعها التربوي في حالة مخيفة بكل أركانه الموضوعية، وعلى الرغم من كل هذه المأساة يبقى المعلم العراقي الرائد في مضمار التعليم، ويبقى الأمل قائما بان تتحد الجهود لخلاص العراق من الاحتلال وأعوانه وأدرانه، والشعب العراقي شعب التحدي والصبر وستثبت الأيام صدق ما أقول، مع الاعتذار لكل زملائي المدرسين والمعلمين، فهم نجوم مضيئة في زمن الظلام الديمقراطية في عراق اليوم.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تجارة المناصب!

تناقضات!

الشرف السياسي!