قنابل لم تنفجر بعد



كثيرة هي التقارير الدولية والمحلية، التي تظهر حجم المعضلات المزمنة التي يعاني منها العراق منذ "تحريره" عام 2003، والتي يتعدى مداها إلى عدة عقود قادمة، فبعض هذه التقارير تشير إلى التلوث البيئي وازدياد السرطانات،
فيما يؤكد البعض الآخر على انعدام الخدمات الصحية والتربوية، وازدياد البطالة وازدياد أعداد الأرامل واليتامى والعوانس وغيرها من المشاكل المستعصية في الواقع العراقية.
ومن هذه التقارير، التقرير الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسيف" بتاريخ 3 تموز 2009، والذي حذر من عدم قدرة العراق على الوفاء بالتزاماته المنصوص عليها في اتفاقية "أوتاوا" لحظر الألغام، والتي يتعين على حكومة نوري المالكي بموجبها - بعد أن وقعت عليها في عام 2008 - إزالة جميع الألغام الموجودة في الأراضي العراقية بحلول شباط عام 2018، حيث يوجد في العراق 20 مليون لغم أرضي، و2.66 مليون قنبلة عنقودية حول حقول النفط العراقية والأراضي الزراعية، وتغطي مساحة 1730 كيلو متر مربع من الأراضي العراقية.
ورسم التقرير صورة قاتمة عن حالة الألغام في العراق، والذي يعد واحداً من أكثر دول العالم تلوثا بالألغام الأرضية، ومخلفات الحرب الغير منفجرة، والتي أثرت على أكثر من مليون و600 ألف عراقي يعيشون في أربعة آلاف منطقة سكنية.
واليوم هنالك في العراق - حسب التقرير الدولي - مليون طفل معرضين لخطر الألغام، ولقد أصيب نحو 8 آلاف شخص بسبب تلك الألغام والقنابل منذ احتلاله عام 2003.
واظهر التقرير أن الأطفال يمثلون 25% من ضحايا تلك المتفجرات، والتي أدت - حتى الآن - إلى مقتل وإصابة ألفي طفل، خلال السنوات الست الماضية من عمر الاحتلال الأمريكي البغيض.
وبسبب هذه الألغام أيضاً انتعشت اليوم تجارة صناعة "الأعضاء الاصطناعية"، حيث أعلن مدير عام دائرة صحة محافظة ديالى الدكتور علي حسين التميمي، بتاريخ 4/7/2009 افتتاح معمل لصناعة الأعضاء الاصطناعية؛ لسد حاجة السكان الذين يعانون من حالات إعاقة جراء تعرضهم لهذه الألغام، أو لضربات قوات الاحتلال التي نشرت، وتنشر، الخراب في العراق. 
وقال التميمي إن الدائرة اتفقت مع إحدى منظمات المجتمع المدني الإنسانية، على إنشاء هذا المصنع ليتولى إنتاج 5 قطع يومياً؛ لمساعدة أكثر من 4 آلاف معوق يوجدون في المحافظة.
وهذا الكلام عن محافظة عراقية "واحدة" فقط؟!!
مستشار شؤون الألغام في وزارة البيئة العراقية عيسى رحيم دخيل أكد ، عقب صدور التقرير، على أن فترة تخليص البلد من مخاطر الألغام والتي حددتها الاتفاقية بنهاية عام 2018 تحتاج إلى حوالي 19 ألف شخص متخصص في إزالة الألغام، في الوقت الذي لا يتجاوز عدد هؤلاء حاليا ضمن مؤسسة وزارة الدفاع والداخلية 1500 شخص.
ولم تقف تداعيات هذه المخاطر عند القتل والإعاقة فقط، بل إنها تسببت بمنع تحسن وانتعاش الاقتصاد المحلي في آلاف المناطق السكنية التي تكثر فيها هذه الألغام، حيث إن عملية إزالة جميع الألغام ومخلفات الحرب تتطلب عشرات السنين من العمل المتواصل، ما سيؤثر بالنتيجة على الاقتصاد العراقي، وعملية النهوض للبلاد في مرحلة ما بعد التحرير، ما يجلي حقيقة مهمة، وهي أن أمريكا - ومن جاء معها - لم يكتفوا بمنْ قتل وهجر من العراقيين، وكذلك بما خلفوه من خراب في البنى التحتية لدولة كانت تعد من الدول البارزة في منطقة الشرق الأوسط، بل إنهم يريدون للأجيال القادمة أن تدفع ضريبة هذه الأحقاد من جهدها وثروات البلاد.
وعلى العموم فان اللغم الأكبر الموجود حاليا على أرض العراق، هو قوات الاحتلال الأمريكية وعملائها، وبخروجهم يمكن أن نفجر - حينها - كل هذه الألغام، على الرغم من صعوبة المهمة، ونكمل مسيرة إعمار البلاد.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تجارة المناصب!

تناقضات!

الشرف السياسي!