مناهج الإعمار ومناهج الدمار!



شاركت بداية الأسبوع الحالي بأعمال المؤتمر الدولي لمنتدى الوسطية العالمي، الذي عقد في العاصمة الأردنية عمان تحت شعار "بين نهج الإعمار ونهج الدمار"، وشارك فيه العشرات من الشخصيات المثقفة من أكثر من (20) بلداً.
غالبية مشاركات ونقاشات وجلسات المؤتمر دارت حول تشجيع الإعمار ورفض الدمار، واتفق المشاركون على "أنه ليس كالفساد- وقد كثر في البر والبحر والفضاء- سبيل لتوحش ودعم ألوان التطرف والمغالاة. وليس كالإصلاح من نهج سوي لمواجهة ذلك وإعادة التوازن إلى الواقع والفكر على حد سواء".
وأكدوا على أن الواقع "بتعقيداته وضغوطاته أدى إلى إضعاف الانتماء الديني عند كثير من الناس وخاصة الشباب المحبط؛ مما أدى إلى ظهور نهجين كلاهما ذميم: الغلو والاستلاب، وبمعنى آخر الإفراط والتفريط؛ المطلوب مراجعة شاملة من حكماء الأمة وقادتها وعلمائها الربانيين، مراجعة تشمل قراءة المناهج والمواقف والآليات حتى تتمكن الأمة من استئناف مسيرتها والقيام بدورها الحضاري". 
ومن هذا المنطلق السليم الداعي لفضح مناهج الدمار، والوقوف مع مناهج الإعمار، أردت أن أسلط الضوء على بعض مناهج الدمار التي هشمت روح الإنسان، وذكرياته، وزرعت الألم والآهات في ربوع بلاده، وأكلت السحت، وتنكرت للقيم والمبادئ، إنها المناهج التدميرية الظلامية المتخلفة التي وجد العراقيون أنفسهم أمامها.
في مثل هذه الأيام قبل أكثر من 13 عاماً انطلقت جيوش الدمار والخراب لتغزو أرض البناء والإعمار، أرض الرافدين الكريمة، انطلقت جيوش الاحتلال الأميركي لتصب جام غضبها وحقدها على الأمة العراقية في واحدة من أكبر جرائم العصر الحديث.
إن الشعارات الإعمارية التي ينادي بها دعاة الاحتلال والتغيير في العراق أثبتت الأيام زيفها وكذبها، وظهرت على حقيقتها بأنها تحمل أهدافاً تدميرية تخريبية ظاهرها السلام والأمن والحرية والديمقراطية والحياة الجديدة، وباطنها الحرب والخوف والاستعمار والدكتاتورية والعودة للقرون الوسطى.
إن مناهج الدمار متنوعة وكثيرة في المشهد العراقي، ولا يمكن حصرها بالأسماء، لكن يمكن تحديدها ببعض الصفات العامة، ومنها:
1. مناهج خارجية استعمارية احتلالية، تزرع الفرقة، وتنشر الرعب، وتتفنن في طرح وتزيين الكذب، وتمتلك قدرات كبيرة في قلب الحقائق عبر آلة إعلامية ضخمة تزين الظلم، وتطبل للخراب.
2. مناهج سياسية خارجية وداخلية، غُذيت من الكراهية، وترعرعت في أحضان الطائفية، وتربت في ربوع الانتقام، ولم تقدم شيئاً ملموساً للعراقيين، وأكلت ميزانيات البلاد، وهمها الأكبر كيف تحقق أهدافها الاستراتيجية، التي تحلم بها، ولو على جبال من الجثث البشرية، وشعارهم الغاية تبرر الوسيلة.
3. مناهج دينية سياسية تكفيرية ضالة، تكفر الناس على أبسط الأخطاء، وتخرجهم من الملة وتستبيح دمائهم، وتقتلهم على هوياتهم، وأسمائهم، وألقابهم، وهذه القضية خطيرة جداً، لا تمت للشريعة الإسلامية السمحاء بصلة، وإنما هي مؤامرة على الأمة باسم الدين لتشويه سمعة الدين وقتل الناس باسمه.
وهذه المناهج إجرامية مليئة بالدم ورائحة البارود، وتزرع الفتنة الطائفية، وتمتلك وسائل إعلام كفرت بالحياة، ونامت في أحضان الكذب وتزييف الحقائق من أجل حفنة دولارات، غُمست بدماء العراقيين النقية!
4. مناهج قانونية ودستورية ظالمة مليئة بالتجني على الأبرياء والمدنيين، وجعلت من المحاكم – في غالبها- أماكن لظلم الناس والتجني عليهم، بعد أن كانت واحة للإنصاف والعدل.
مناهج ومناهج ومناهج، غالبيتها مستوردة تخطط بغرف مظلمة، وعقول خارجية غريبة وحاقدة، وتنفذ بأيد عراقية إجرامية، مرة باسم الدين، وأخرى باسم الديمقراطية، وثالثة بحجة مكافحة الإرهاب والتطرف، وجميعها تسببت بدمار البلاد، وقتل الكثير من أهلها وتهجيرهم، حتى صار بعض الناس يتمنون الموت للخلاص من أكذوبة الحياة الإنسانية لأنهم  وجدوا أنفسهم أمام وحوش قاتلة بثياب وأشكال بشرية!
إن المنهج الذي تستقيم به حياة العراقيين هو المنهج الوطني الذي يزرع المحبة وينشر الألفة والتكاتف، وينبذ الكراهية، ويغذي السلام، ويشجع العمل، ويكفر بالإرهاب، وهذا المنهج لا يمكن أن يكون إلا بجهود حكومية ومجتمعية ودينية متكاتفة.
فهل واقع الحال العراقي يُشجع لولادة هذا المنهج المنقذ للبلاد وأهلها؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تناقضات!

من ذكريات معركة الفلوجة الاولى

الكرد والنظام التوافقي في العراق!