العراقيون بين السماء والأرض




لكل أمة، أو دولة، أو إنسان الحق في أن يتطلع للأفضل سواء بمستوى معيشته، أم بمستواه الفكري والعلمي، أو حتى بمكانته بين الأمم، أو الناس، وهذا من النقاط الايجابية، التي تؤكد أن هذا الإنسان، أو الدولة، أو الأمة ما زالت حية، وليست مجرد رقم يُذكر في سلسلة الأرقام الكونية التي لا تتوقف.


وينبغي على الإنسان، أو الدولة، أو الأمة حينما تريد أن تشق طريق التقدم والعلم أن تكون قد قطعت أشواطاً في الطرق الأساسية الموصلة لهذا الترف العلمي، وإلا لا يمكن تصور أن إنساناً لا يملك قوت يومه يفكر في شراء قصر في لندن، أو باريس، أو حتى شراء بدلة من الماركات العالمية؛ لأن هذا من باب الضحك على النفس، وخداع الآخرين، وهذه الطموحات غير الواقعية تثبت أن هنالك خللاً في التفكير الشخصي، والتخطيط العام للدولة، أو الأمة. والمنطق والحكمة تدفع الجميع للتفكير والعمل ضمن حدودهم المادية والحقيقية.

والعراقيون بعد سنوات الاحتلال التي تلت عام 2003، وحتى اليوم، صارت حياتهم عبارة عن محطة مليئة بالقتل، والاعتقال العشوائي، والرعب، والإرهاب الرسمي وغير الرسمي، ومن يخرج من بيته، لا يمكنه أن يجزم أنه سيعود إليه؛ لأنه لا يعرف في أية لحظة سيجد نفسه في عِدادِ الموتى.

وهذا الرعب يقتل الأمل والبهجة في الروح والحياة، ولا نتمنى أن تستمر هذه الحال المظلمة لأهلنا في العراق.

الثابت في حياة العراقيين اليوم هو الهوة الواسعة بين تفكير الساسة والواقع المعيش، ففي حين يَحْلُم الساسة بالوصول إلى القمر، نجد أن الهاربين من جحيم العراق يغرقون في بحار الدنيا هنا، أو هناك.

ففي يوم 3/9/2012، قال وزير العلوم والتكنولوجيا عبد الكريم السامرائي: إن بغداد تقوم بالتنسيق والتعاون مباشرة مع جامعة لاسفينزا الإيطالية، وإن الباحثين العراقيين سيجرون اختباراً، قبل أن يُمنحوا شهادة ماجستير من قبل الجامعة نهاية عام 2013؛ تمهيداً لإطلاق قمر صناعي علمي تجريبي، سيطلق عليه اسم دجلة. وإن مهمة القمر الصناعي ستقتصر على مجالات تتعلق بالتصحر وشح المياه. 

السامرائي أكد أن وزارته تنسق مع وزارة التعليم العالي؛ لإنشاء مدرسة لمنح شهادة أكاديمية في تكنولوجيا الأقمار الصناعية، وأن العراق يعتزم إطلاق قمر صناعي آخر في المستقبل بالتنسيق بين وزارتي “العلوم والتكنولوجيا” و”الاتصالات” يهدف إلى تطوير منظومة الاتصالات في البلد!

ومقابل هذا القمر العراقي المرتقب، الذي سينقل للعالم حقيقة الصورة القائمة في العراق، نجد أن العراقيين الهاربين من الجحيم يموتون هنا، أو هناك في أرجاء المعمورة، ففي يوم 6/9/2012، أفادت بعض الأنباء الصحفية نقلاً عن من وصفته بـ”مصدر دبلوماسي عراقي” قوله: إن عدداً من العراقيين، بينهم أطفال ونساء، قضوا غرقـاً في حادث انقلاب مركب يقل مهاجرين غير شرعيين في بحر إيجة بمحافظة إزمير التركية غرب البلاد؛ إثر اصطدامه بصخور بُعيد إبحاره من بلدة (أحمد بيلي) الساحلية، أغلبهم من العراقيين والسوريين، كانوا يرومون التوجه إلى أوروبا، وأن عدد الموتى من العراقيين لم يعرف بعد على وجه الدقة.

وبغض النظر عن العدد الحقيقي للعراقيين الذين غرقوا في هذا الحادث الأليم، فإن القضية تتعلق بالإهمال الحكومي للمواطنين، وعدم التفكير بملايين العراقيين الذين يعيشون أسوأ الظروف الانسانية في سوريا وغيرها؛ ما دفع – بعضهم- للتفكير بالهجرة من الأراضي السورية المشتعلة، والهروب إلى اوروبا، وعدم الرجوع لبلدهم العراق!

مواطنون ضائعون لا مأوى لهم، هربوا من الذل ليجدوا الموت أمامهم!

العراقيون يموتون بالجملة في داخل البلاد وخارجها، وحكومات المنطقة الخضراء لا همَّ لها إلا حماية نفسها، ومصالحها الحزبية والطائفية!

هذه هي حال العراقيين، شعب يبحث عن الحياة الكريمة فقط، ولا يريد أن يصعد للقمر بطراً، ولا ينزل للأرض ضحية من ضحايا الإرهاب الرسمي والقانوني وغير القانوني.

الدستور الاردنية 12/9/2012

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ملآذات كانت آمنة!

الأخوة "الأعداء"!

تناقضات!