هل نحن إرهابيون؟



إن الخسائر الفادحة التي تحملها الشعب العراقي منذ الأيام الأولى للاحتلال وحتى اليوم تعكس مدى الحقد الدفين في نفوس قوات الاحتلال على أبناء العراق الذين وعدوا بالرفاهية والديمقراطية بعدما كانوا يئنون تحت ضيم الدكتاتورية.
 هذه الخسائر وغيرها من التصرفات غير الأخلاقية للاحتلال جعلت العراقيين يترحمون على أيام الديكتاتورية، ويتمنون دكتاتورية الأمس على ديمقراطية اليوم.

مفهوم الإرهاب هو مفهوم مطاط، تعمل كل جماعة على أن تجذبه لصالح أهدافها وما يخدم مصالحها، والكلمة مشتقة من الرهبة أي الخوف، والإرهاب ـ أي التخويف ـ هو المصطلح الذي استخدمه الغرب لنعت المسلمين من الذين يجاهدون ضد وجود قوى الاحتلال في بلاد الإسلام، والإرهاب هو المصطلح الذي يستخدمه الاحتلال الأمريكي وأعوانه لنعت المقاومة العراقية الباسلة التي هبت للدفاع عن مقدساتها وقيمها.

والكلمة ذكرت في القران الكريم بقوله تعالى (واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم)..

والتخويف أو الإرهاب له وجهان، وجه حق مشروع ووجه باطل مذموم.

فأما الأول فهو ما كان ضمن الدفاع عن النفس والعرض والدين والمال، وهذا مما تقره القوانين السماوية والوضعية، وأما الثاني فهو الذي يحمل في طياته الظلم والتعدي على الآخرين بغض النظر عن دينهم ومعتقدهم.

والإنسان السوي العاقل ـ بغض النظر عن دينه وعرقه ـ له مبادئ وقيم لا يمكن أن يتخلى عنها، ولو وقفت كل الدنيا بوجهه، منها أن الإنسان بطبعه وفطرته يحب البلاد التي نشأ وترعرع فيها، ويعتبرها بيته الكبير، ويعتز بدينه وعرضه وماله، فلو تعرضت هذه المقدسات لاعتداء أو لاغتصاب فلا يمكن إلا أن تثور تلك الغريزة الكامنة في النفس البشرية، وحينها تكون النفس البشرية مستعدة لتحمل كل التبعات التي تتبع رد الفعل الطبيعي تجاه ما لحق بها من ظلم وحيف.

فما بالك لو تضمن هذا الاعتداء إهانات واحتقارا وتضييعا لأبسط حقوق الإنسان، فإنه من المؤكد أن الروح الدفاعية تشتعل في الإنسان حتى تدفعه إلى أن يضحي بالغالي والنفيس في سبيل تحرير مقدساته وبيته الكبير الوطن من الغرباء.

وكثيراً ما نتساءل مَنْ هو الإرهابي؟ ومَنْ الذي ينبغي أن يُعَرِّف الإرهابي الظالم أم المظلوم؟ القوي أم الضعيف؟ أم منطق العدل والحق والعدالة هو الذي ينبغي أن يضع الحد الحقيقي لكلمة الإرهاب؟ فهل الإرهابي الذي يدافع عن دينه وعرضه أم الإرهابي هو الذي يعتدي على الآخرين بلا وجه حق؟

والمعروف في المنطق البشري السليم أن لكل فعل رد فعل يساويه في المقدار ويعاكسه في الاتجاه، والظلم يقابل بمحاولات للتحرر والخلاص بغض النظر عن كون الظالم قوة عظمى أم شخصا عاديا، وهذا الأمر لا يمكن أن يختلف عليه اثنان.

ونحن في العراق ابتلينا بغزو همجي دبر بليل، وألبس لباسا كاذبا خداعا ألا وهو لباس الديمقراطية والحرية، ورأينا ما لم يره غيرنا على مر العصور، ومِنْ مَنْ؟ من أعظم قوة على الأرض ـ أمريكا ومن تحالف معها ـ التي تدعي الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، وتدعو إلى ما يسمى نبذ العنف؟ّ! فهل دفاعنا عن كرامتنا وعرضنا ومقدساتنا يعد إرهابا في نظر من لا يروق له الوقوف بوجه الظلم والإذلال؟

إن الخسائر الفادحة التي تحملها الشعب العراقي منذ الأيام الأولى للاحتلال وحتى اليوم تعكس مدى الحقد الدفين في نفوس قوات الاحتلال على أبناء العراق الذين وعدوا بالرفاهية والديمقراطية بعدما كانوا يئنون تحت ضيم الدكتاتورية، هذه الخسائر وغيرها من التصرفات غير الأخلاقية للاحتلال جعلت العراقيين يترحمون على أيام الديكتاتورية، ويتمنون دكتاتورية الأمس على ديمقراطية اليوم.

إن الذين يستهدفون الاحتلال والظلم اليومي لقواته في العراق لا يمكن بأي حال من الأحوال ولا وفق أي قانون ونظرية علمية أو دستورية أن يكونوا من الإرهابيين؛ لأن الدفاع عن البلاد حق مقدس تضمنه القوانين والأعراف الدولية، والإرهاب الحقيقي هو الإرهاب الذي يتمثل بعبور القارات والبحار والمحيطات من اجل احتلال وإذلال وتحقير شعب كريم آمن، وهذا ما حصل للعراق.

إن الحل الأمثل للخروج من دوامة مَنْ هو الإرهابي؟ وما هو الحد الحقيقي لهذه الكلمة؟ هو أن توقف أمريكا ـ ومعها الغرب ـ الاعتداء على الآخرين، وان يعرفوا أن هذا هو الإرهاب بعينه، هذا أولاً ثم إنَّ الشعوب المظلومة هي التي لا تجد إلا متنفس القوة ـ والقوة فقط ـ مخرجا لها من الضيم الذي لحق بها من قوى الديمقراطية الكاذبة، فهل العمل على الخلاص من الضيم والدمار يعد إرهابا؟!

ثم إن حالنا في العراق ليس بحاجة إلى مزيد من الذكاء لنعرف مَنْ هو المعتدي ومَنْ هو الإرهابي، فهل نحن الذين عبرنا القارات والمحيطات لنعتدي على الشعب الأمريكي؟ وهل نحن الذين دمرنا بلادهم حتى أرجعناهم للعصور الوسطى؟! وهل نحن قتلنا مئات، وهجرنا الملايين من الأمريكيين؟ وهل نحن الذين دمرنا بلادا كانت بالأمس دولة معترفا بها ضمن السياق الدولي؟

هذه الأسئلة وغيرها تعرف أمريكا ـ قبل غيرها ـ أجوبتها، ونحن لا نريد إلا السلم والسلام، لكن السلم والسلام القائمان على احترام الحقوق المشتركة واحترام حرية وحقوق الإنسان بكل ما تحمله هذه الكلمة من معانٍ، وحينها فقط يمكن أن يعيش بعضنا مع بعض بعيدا عن لغة السلاح، ولا أظن أن هذا المنطق هو منطق الإرهابيين!.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تجارة المناصب!

تناقضات!

الشرف السياسي!