التوطين مؤامرة جديدة لتفريغ وتدمير العراق

بعد أن كتبت مقالتي السابقة في موقع المسلم الأغر (اللاجئون وحلم العودة للعراق) سعدت كثيرا من كثرة التعليقات التي كتبت على المقال، ومنها بعض التعليقات الأخوية العاتبة على بقائنا خارج العراق، وهو عتاب إخوة أحبة لا نعرفهم إلا أنني ألمس الحب والصدق في عباراتهم.
 وأنا لم يكن هدفي من المقال هو تشجيع الـ"هروب" من البلاد؛ لأن هذا الأمر لا يليق بالرجال، وكل من يعرفني يعرف حبي وشوقي للعراق وأهلي وأصدقائي وإخوتي وأحبتي، وعسى الله أن يجمعني بهم قريباً، وكذلك حال كل المحبين للعراق في الخارج، ولم يكن هدفي من المقال إلا فضح كذب الحكومات العميلة للاحتلال التي كانت السبب وراء هذه التهجيرات والجرائم بينما تتباكى ـ أي الحكومة ـ اليوم عليهم!!

والمعروف أنه منذ سنوات وآلة الحرب الأمريكية البربرية تعيث فسادا في أرض العراق، وتدمر البنى التحتية والفوقية لبلاد تآمر عليها القريب والبعيد، وعلى إثر هذه المؤامرة هاجر أكثر من خمسة ملايين مواطن مع أسرهم إلى خارج البلاد.

وبحكم وجودي خارج العراق فلربما رأيت جوانب من الصورة لم يرها غيري، فهنالك العديد من الدول الغربية التي فتحت وتفتح أبوابها أمام العراقيين بعدما يحصلون على صفة لاجئ من المنظمة الدولية، والحق أن هنالك من العراقيين من يرفض هذه الصفة، ويتمنى عودته للعراق في أقرب وقت ممكن بينما نرى على النقيض من ذلك من يتفاخر بالحصول على التوطين في دول غربية وفي أمريكا حتى أني في يوم من الأيام رأيت مواطنا عراقيا يعمل مهندسا في العراق وزوجته أستاذة جامعية يتفاخر بعد حصوله على البطاقة الخضراء "الكرين كارت"، وهو يقول أنا مواطن أمريكي، ولا يمكن لأحد أن يعتدي عليَّ بعد اليوم، ومثله المئات من الذين يتمنون الحصول على هذه الميزة.. فهل هي مؤامرة جديدة تقاد ضد الشعب العراقي؟!.

فالمواطن الذي يهاجر إلى هذه الدول يمكنه ـ وفق قوانين الهجرة والتوطين ـ أن يحصل على جنسية هذه الدول بعد خمس سنوات، وبعضها تمنح الجنسية بعد 3 سنوات، وفي ضوء هذه المعطيات وكون 90 % من المهجرين هم من مكون معروف من أبناء الشعب العراقي هجرتهم المليشيات الطائفية الحكومية والمليشيات التابعة لإيران، وكذلك هجرت الكفاءات الوطنية الرافضة للاحتلال بغض النظر عن الانتماء المذهبي والعرقي.. نقول هل نحن أمام مؤامرة تهدف إلى تفريغ العراق من أبنائه المخلصين مثلما حصل في فلسطين التي فرغت من أهلها الذين لم ترحمهم آلة الحرب الصهيونية اللعينة، ومن الذين لم ينتبهوا لحجم وحقيقة المؤامرة التي حيكت ضدهم، وهم حتى الساعة يحلمون ويطالبون بحق العودة إلى ديارهم، لكن دون جدوى؟. فهل سنكون أمام حالة عراقية مشابهة لما جرى في فلسطين؟. وهل سيأتي اليوم الذي يطالب فيه هؤلاء العراقيون في العودة إلى البلاد، لكن دون جدوى؟.

وفي هذا المقام أود أن أقف على بعض جوانب قضية الهجرة من العراق أو قضية التوطين في البلدان الغربية، ومنها:ـ

1- إن مما لا شك فيه أن الحروب والقتل والدمار تدفع الناس للجوء إلى أماكن آمنة حفاظا على أرواحهم وأرواح عوائلهم، لكن في الوقت نفسه فان ترك البلاد بحد ذاته هو مكسب للاحتلال وللحكومات العميلة التي جاءت معه ـ اضطررنا له ـ حيث إن ترك البلاد من طرف معروف ومهم من أطرف المعادلة العراقية سيفتح المجال أمام الآخرين للسيطرة على العديد من المناطق وخصوصا العاصمة بغداد التي يحاول الطرف الآخر تجييرها لصالحه.

2 - هل يحق للعراقيين الذين حصلوا أو سيحصلون على جنسيات أخرى - إن لم يسقطوا الجنسية العراقية - أن يعودوا للعراق، ويشاركوا كأصوات في الانتخابات القادمة والحياة السياسية والعامة بعد رحيل الاحتلال؟.

وهنا سأنقل نصاً من الدستور "العراقي" الذي كتب تحت مظلة الاحتلال، واعترضت عليه العديد من القوى الوطنية، يقول النص الذي نشرته الجريدة الرسمية "العراقية" في 7 اذار/ مارس 2006 قانون الجنسية "العراقية" (قانون رقم 26 لعام 2006، ويُعرف أيضاً "بقانون المواطنة العراقي")، يؤكد هذا القانون على مبدأ تعدد الجنسيات بينما يمنع العراقيين الذين يحملون جنسية مزدوجة من الوصول إلى مراكز "سيادية أو ذات صبغة أمنية عالية".

وهذا يعني أن الكوادر المهجرة من العراق لا يمكنها بعد حصولها على جنسية من بلدان أخرى "الوصول إلى مراكز سيادية أو ذات صبغة أمنية عالية"، وهذا جانب خفي من المؤامرة!!!

3 - إن من صور المؤامرة ـ التوطين ـ هو الضياع الذي سيلحق بالأجيال القادمة من أبناء المستوطنين العراقيين في الدول الغربية، حيث إنهم سيتربون على أعراف وتقاليد بعيدة عن ديننا الإسلامي الحنيف، وقد حدثني دكتور عراقي مقيم في السويد منذ سنوات: (أن رب الأسرة لا يستطيع السيطرة على عائلته إلا بجهد جهيد) أما المدارس هناك "في الدول الغربية" فإنها ـ والكلام ما زال لصديقي الدكتور ـ (تعلم الطلبة الكثير من الأمور التي لا تقرها الأعراف ولا التقاليد التي يعرفها المجتمع الإسلامي).

وفي المحصلة فإننا سنرى أنفسنا أمام أجيال ـ من مكون معروف ـ اقتلعت من مجتمعها العراقي بمؤامرة ذكية خبيثة ظاهرها الشفقة واحترام حقوق الإنسان وباطنها مؤامرة أمريكية أوربية تهدف إلى تدمير أبناء هذا المكون من أبناء الشعب العراقي وتفريغ البلاد منهم.

4 - إن العودة إلى العراق لا نتمنى أن تبقى حلما، ولو كانت حلماً، لنحاول أن نحققه ولو في المناطق الآمنة نسبيا مثل الانبار وكركوك وصلاح الدين وبعض مناطق بعقوبة؛ لأنه ليس من المنطق بشيء أن تترك البلاد هكذا، وأنا اقصد من كلامي هذا الذين يظنون أنهم سيأمنون على عوائلهم وأنفسهم إن عادوا، أما الذين يظنون أن هنالك خطرا حقيقيا يداهمهم فهذا الكلام غير موجه لهم.

5 ـ وحتى لا نبقى نتحدث بعيداً عن الواقع فلنضع أيدينا بأيدي بعضنا، وليؤازر بعضنا بعضاً من اجل تحرير البلاد وطرد الغرباء، ولنعد كما كنا بالأمس إخوة متحابين تحت خيمة العراق الحبيب بلا أحقاد ولا تباغض، وهذا أمر هين على شعب مثل الشعب العراقي الذي عرف بطيبته وتسامحه وكرمه وصبره وجهاده.

والحق أن لسان حال الذين هجروا من البلاد يقول كما يقول الأخ الشاعر محمد سعيد الجميلي:ـ

خمسٌ عجافٌ أظهرت مكنونَهم/  حِقدٌ وقتلٌ والبلادُ خرابُ

خمسٌ تبارى والعلوجُ بذبحــنا/  طُلابُهم فتفوقَ الطلابُ

خمسٌ مشيناها بهمةِ موقـــنٍ/  أن يرحلَ الدُخلاءُ والأغرابُ

وتسابقَ الشهداءُ فـي عُرسٍ بهِ/  طارت لجناتِ العُلى أسرابُ

ويختم قصيدته الرائعة بالقول:ـ

مبتلى كم مرَّ ليلٌ وانتهــى/  شاخَ الغُزاةُ وأنت بعدُ شبابُ

مهما استبدَّ الظُلمُ واشتدَّ البلا/  فلنا إلى الشرعِ الحنيفِ مآبُ

سَيعودُ وجهُكَ بالهُدى مُتألقاً/  ومَصيرُ كُلِ التافهينَ ذهابُ

فنحن والله قلوبنا في العراق وأجسادنا في الغربة نحِنُّ ونئنُّ على البلاد والأهل والأحبة، ونسال الله العظيم أن يكون لقاؤنا قريباً على ثرى العراق، اللهم آمين.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تجارة المناصب!

تناقضات!

الشرف السياسي!