رشاوى مقابل دم العراقيين



المسؤولية تعني تحكيم الضمير قبل القانون في إدارة ومعالجة الأزمات، وكذلك القدرة على إيجاد الحلول الناجعة لها خدمةً للصالح العام وتحقيقا للأمن والأمان.

ومنذ رحيل القسم الأكبر من قوات الاحتلال الأمريكية من العراق، ونحن نتابع الكشف عن بعض الحقائق التي تتعلق بالانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان وكرامته، وهذا أمر متوقع من احتلال همجي عبر القارات ليخرب العراق ويدمره، ومن غير المعقول أن نتوقع من المحتل الغاصب أن يكون رحيماً ولطيفاً مع أبناء البلد المحتل، لكن الأغرب من ذلك هو مواقف غالبية ساسة العراق اليوم من المتاجرين بدم العراقيين وأرواحهم ووحدة العراق وثرواته.

ومن بين الحقائق المغيبة عن العراقيين ما كشفته صحيفة الغارديان اللندنية يوم 8/6/2012، عن واحدة من أهم الملاحقات القضائية في أمريكا، والمتعلقة بمجزرة ساحة النسور ببغداد التي ارتكبتها شركة بلاك ووتر الإجرامية الخاصة، المكلفة بحماية المسؤولين العراقيين والأمريكيين.

وجريمة ساحة النسور وقعت في 17 أيلول 2007، عندما خرجت قافلة لقوات الاحتلال الأمريكية، من المنطقة الخضراء، يحرسها مقاتلون من شركة بلاك ووتر، وبعد ربع ساعة، أطلق حراس الشركة الرصاص العشوائي على المدنيين، ما أدى إلى استشهاد العشرات من العراقيين، كان من بينهم طفل لم يبلغ التسع سنوات، حيث أصيب بعيار ناري في رأسه، عندما كان جالساً بجانب والده.

حراس بلاك ووتر يدّعون أنّهم قاموا بإطلاق النار دفاعاً عن النفس، بعد تعرّضهم لهجوم مسلح، إلاّ أنّ شهود عيان يروون قصصاً مختلفة تماماً عن رواية هؤلاء الحراس، بما في ذلك محمد الكناني (والد الطفل المقتول)، الذي أكّد أنّ الحراس أطلقوا النار على مدنيين غير مسلحين، ودون تعرّضهم لأيّ خطر، وهذا ما أكّده محققون من جيش الاحتلال الأمريكي، ومكتب التحقيقات الفيدرالي، في تقرير لهم: «أنّ إطلاق النار من قبل الحراس كان من دون مبرر».

وفي الأول من شباط 2010، ذكرت صحيفة نيورك تايمز نقلاً عن مسؤولين حكوميين أمريكيين تأكيدهم أنّ قسم التحقيق في الرشاوى في وزارة العدل فتح تحقيقاً نهاية العام الماضي لمعرفة ما إذا كان موظفو «بلاك ووتر» قد خرقوا القانون الفدرالي الذي يمنع المؤسسات الأمريكية من دفع الرشاوى لمسؤولين أجانب، وأنّ التحقيق الذي أكّده ثلاثة مسؤولين حاليين وسابقين، وتكلّموا عنه بسرية تامة، يأتي بعد ما نشرته «نيويورك تايمز» في تشرين الثاني الماضي: أنّ مسؤولين تنفيذيين في «بلاك ووتر» سمحوا بدفع مبالغ سرية تقدَّر بمليون دولار إلى مسؤولين عراقيين لشراء دعمهم في القضية، وأنّ وزارة العدل حصلت على وثيقتين من وزارة الخارجية، تتضمن عقوداً سرية مع الشركة.

إحدى الوثيقتين تظهر أنّ ممثلاً عن الشركة الأمريكية أخبر مسؤولاً كبيراً في السفارة الأمريكية ببغداد بأنّ «بلاك ووتر» عيّنت محامياً عراقياً هو جعفر الموسوي، الذي كان المدعي العام في محاكمة الرئيس العراقي صدام حسين؛ على أمل أن تساعد علاقاته القوية مع مسؤولين عراقيين كبار، بينهم رئيس الوزراء نوري المالكي، في السماح للشركة بمتابعة أعمالها في العراق!

فيما حاولت حكومة المنطقة الخضراء خداع الرأي العام عبر إعلانها في عام 2009، رفضها تجديد إجازة شركة «بلاك ووتر» إثر حادثة ساحة النسور.

وفي 4/9/2011، أفادت مذكرات سرية أميركية حصل عليها موقع ويكيليكس، أنّ مئات الموظفين السابقين لشركة بلاك ووتر «المحظورة في العراق»، واصلوا العمل في بغداد لصالح شركات أخرى، لا سيما شركة (تريبل كانوبي)، و(داينكورب)!

يوماً بعد يوم تتكشف بعضاً من صور الخراب والجريمة والصمت على الدمار في عراق ما بعد 2003، فماذا نتوقع من سياسيين ركبوا دبابات الاحتلال لتدمير بلدهم بحجة نشر الديمقراطية؟!

هؤلاء الساسة أشرّ من الاحتلال لأنهم متغلغلون في أوساط المجتمع، ومنهم من استغل العاطفة الدينية، أو الطائفية، أو القومية لتحقيق أهدافه الشخصية الضيقة، وكان الله في عون العراقيين على مصائبهم المركبة.





تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تناقضات!

من ذكريات معركة الفلوجة الاولى

الكرد والنظام التوافقي في العراق!