قافلة الظلم المستمر في العراق



يقول ابن خلدون رحمه الله: الظلم مؤذن بخراب العمران، وأنه، وعلى قدر الاعتداء يكون انقباض الرعايا عن السعي في الاكتساب، فإذا كان الاعتداء كثيراً عاماً في جميع أبواب المعاش كان القعود عن الكسب كذلك لذهابه بالآمال، وإن كان الاعتداء يسيراً كان الانقباض عن الكسب على نسبته.

والظلم يخرب البلدان والإنسان، ولا يمكن لأمة ما أن تنهض وسط عتمة الظلم، ودهاليزه. وعلى هذا الأساس حاولت دول العالم أن تقف ضد التعذيب، أو الظلم، ومن ذلك جاءت فكرة اتفاقية مناهضة التعذيب، التي اعتمدت وعرضت للتوقيع والتصديق والانضمام بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 39/46 المؤرخ في 10 كانون الأول/ديسمبر 1984.

العالم احتفل يوم الثلاثاء 26/6/2012، باليوم الدولي لمساندة ضحايا التعذيب، والعراق من الدول الموقعة على اتفاقية مناهضة التعذيب، والتي تنص مادتها الأولى على أن المقصود "بالتعذيب" أي عمل ينتج عنه ألم، أو عذاب شديد، جسديا كان، أم عقليا، يلحق عمداً بشخص ما بقصد الحصول من هذا الشخص، أو من شخص ثالث، على معلومات، أو على اعتراف، أو معاقبته على عمل ارتكبه، أو يشتبه في أنه ارتكبه، هو أو شخص ثالث، أو تخويفه، أو إرغامه هو أو أي شخص ثالث - أو عندما يلحق مثل هذا الألم، أو العذاب لأي سبب من الأسباب يقوم على التمييز أياً كان نوعه، أو يحرض عليه، أو يوافق عليه، أو يسكت عنه موظف رسمي، أو أي شخص آخر يتصرف بصفته الرسمية.

والواقع أن عمليات التعذيب ضمن نطاق القانون وخارجه مستمرة في بلاد الرافدين منذ أن عرف العراقيون الديمقراطية الأمريكية وحتى الساعة، وهذا ما أكدته العديد من المنظمات الدولية ومنها منظمة العفو الدولية، وغيرها من المنظمات المعتبرة في العالم.

وفي كل مرة تكذب الحكومات القابضة على المنطقة الخضراء هذه التقارير مدعية أنها تهدف لتشويه سمعتها، وأن السجون والمعتقلات العراقية اليوم تحترم حقوق الإنسان، وفق المعايير الدولية!

المادة الرابعة من الاتفاقية تنص على أن تضمن كل دولة موقعة على هذه الاتفاقية:" أن تكون جميع أعمال التعذيب جرائم بموجب قانونها الجنائي، وينطبق الأمر ذاته على قيام أي شخص بأية محاولة لممارسة التعذيب، وعلى قيامه بأي عمل آخر يعد مشاركة في التعذيب".

وبمناسبة اليوم الدولي لمناهضة التعذيب كشف رئيس لجنة حقوق الإنسان في البرلمان العراقي الحالي سليم الجبوري، يوم 26/6/2012، عن وجود حالات للتعذيب تعرض لها السجناء المحتجزون في سجن التاجي شمالي بغداد، أثناء عملية التحقيق معهم، وأن أغلب المشاكل التي يعاني منها السجناء تتعلق بالجانب القضائي وحسم دعاواهم، وأن اللجنة تفاجأت، حينما وجدت أن بعض المعتقلين لم تحسم دعاواهم منذ ثماني سنوات ولغاية اللحظة، والبعض الآخر صدرت بحقهم أحكام معينة تتعلق بإطلاق السراح ولغاية الآن لم يتم الافراج عنهم. وأن اللجنة تأكدت من وجود التعذيب في مراكز الاحتجاز، وأثناء التحقيق، وهي حالات تحتاج إلى وقفة؛ لأن البعض أُصيب بعاهات جراء التعذيب، فضلاً عن المشاكل الخدمية والصحية!

هذه الصور المأساوية نقلتها لجنة برلمانية عراقية، فهل ستكذبها الحكومة، أم أن أعضائها سيكون مصيرهم الملاحقة، والتهديد بملفات للضغط عليهم من أجل السكوت، والسير بصمت في قافلة الظلم المستمر في العراق؟!

وكان آخر التقارير الدولية التي تناولت التعذيب في العراق هو التقرير البريطاني لحقوق الإنسان الذي نشر في أوائل أيار الماضي، والذي قال: إن هناك مزاعم صادقة بشأن سوء المعاملة والتعذيب على نطاق واسع، وخصوصاً في السجون التي تديرها وزارتا الداخلية والدفاع!

كل من يحاول أن ينتقد هذه الأوضاع المزرية فان مصيره التغييب القانوني، وينطبق على هذا الحال قول الشاعر العراقي (معروف عبد الغني الرصافي)، الذي قال ساخراً:

يا قوم لا تتكلموا إن الكلام محرم

ناموا ولا تستيقظوا ما فاز إلا النوم

وتأخروا عن كل ما يقضي بأن تتقدموا

ودعوا التفهم جانباً فالخير أن لا تفهموا

أما السياسة فاتركوا أبداً ولا تندموا.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ملآذات كانت آمنة!

الأخوة "الأعداء"!

تناقضات!