ديالى مدينة البرتقال، أم الاعتقال؟



ينص العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، في مادته التاسعة، على: أنه لكل فرد حق في الحرية والأمان على شخصه. ولا يجوز توقيف أي شخص، أو اعتقاله تعسفاً. ولا يجوز حرمان أي أحد من حريته إلا لأسباب ينص عليها القانون، وطبقاً للإجراء المقرر فيه يتوجب إبلاغ أي شخص يتم توقيفه بأسباب هذا التوقيف لدى وقوعه، كما يتوجب إبلاغه سريعاً بأية تهمة توجه إليه.

وغالبًا ما يرتبط الاحتجاز التعسفي، بوصفه إجراء غير قانوني، بمجموعة أخرى من الانتهاكات الأشد خطورة مثل انتهاك الحق في الحياة، والاختفاء القسري، وغيرها من صور الظلم والتعدي.

وفي العراق "الجديد"، بعد عام 2003، ما زالت انتهاكات حقوق الإنسان مستمرة منذ الأيام الأولى للاحتلال وحتى اليوم، وسأورد هنا إحصائية قام بها قسم حقوق الإنسان في هيئة علماء المسلمين في العراق لما هو معلن من عمليات الدهم والاعتقال من قبل القوات الحكومية بمفردها، أو بدعم ومساندة من قبل قوات الاحتلال الأمريكية بحق المواطنين العراقيين التي حدثت خلال الفترة من نيسان 2011 الى آذار 2012، حيث أحصيت (2416)، عملية دهم نتج عنها اعتقال (16413) مواطناً، بمعدل شهري (1368) معتقلاً، أي ما يقرب من (46) معتقلاً يومياً.

تجري الاعتقالات التعسفية بدون أمر قضائي، ويعتقل الأبرياء في جميع المحافظات العراقية، عدا المحافظات الكردية الثلاث (السليمانية، وإربيل، ودهوك)؛ لأنها خارج سلطة حكومة المنطقة الخضراء، وأعداد المعتقلين تختلف من محافظة لأخرى، إلا أن محافظة ديالى، أو بعقوبة، كان لها النصيب الأوفر، وحصة الأسد، وحصلت على المركز الأول بامتياز من حيث عدد المعتقلين لأكثر من عام، وبعقوبة هي مركز محافظة ديالى التي تنقع على بعد (45) كم شمال شرق العاصمة الحبيبة بغداد، وهي تمثل عراقاً مصغراً، حيث تضم كافة طوائف البلاد من المسلمين والمسيحيين والصابئة، والعرب والأكراد.

عُرفت ديالى بأنها مدينة البرتقال؛ لأنها عبارة عن لوحة من البساتين المليئة بالبرتقال في عموم المحافظة، وفي موسم البرتقال تتعطر الاجواء وتتزين بروائح القداح الذي يملأ النفس بهجة وسروراً، في تباشير لموسم مبارك، ينتظره الفلاحون ليحصدوا فيه جهودهم المستمرة من العناية بالبساتين.

مدينة البرتقال، صارت سجناً كبيراً للوطنيين، ولتأكيد هذه الحقيقة سأورد هنا أرقام المعتقلين في الستة الأشهر الأخيرة اعتباراً من شهر تشرين الثاني 2011، ولغاية نيسان 2012.

ففي تشرين الثاني 2011، اعتقل (1597) مواطناً، وقد توزعت هذه الحملات على (14) محافظة من محافظات العراق، ونالت عدداً من المحافظات النصيب الأكبر من تلك الاعتقالات التعسفية؛ وبلغت في محافظة ديالى (404) معتقلاً، بنسبة تقارب 25% من المجموع الكلي.

وفي كانون الأول 2011، اعتقل (1726) مواطناً من المواطنين الأبرياء بينهم عدداً من النساء، وقد توزعت هذه الحملات على (14) محافظة أيضاً، وبلغت في محافظة ديالى (339) معتقلاً.

وفي كانون الثاني 2012، اعتقل (1388) مواطناً بينهم (5) من النساء، بالإضافة لعمليات قتل رافقت تلك الحملات. وقد توزعت هذه الحملات على (14) محافظة، وبلغت في محافظة ديالى (333) معتقلاً، بنسبة تقارب 24%، من المجموع الكلي.

وفي شهر شباط 2012، توزعت الحملات الحكومية الجائرة على (14) محافظة، وبلغت في محافظة ديالى (335) معتقلاً بنسبة تقارب 28،5%، من المجموع الكلي.

وفي شهر آذار 2012، أعتقل (1465) شخصاً من المواطنين الأبرياء بينهم (5) نساء، بالإضافة لعمليات القتل التي رافقت تلك الحملات. وبلغت في محافظة ديالى (445) معتقلاً بنسبة تقارب 30،5%، ممن الأعداد الكلية.

وفي شهر نيسان 2012، توزعت الاعتقالات التعسفية غير المبررة بين (14) محافظة، ونالت محافظة ديالى النصيب الأكبر منها، حيث شهدت اعتقال (375) شخصاً، جاءت بعدها نينوى بواقع (213) معتقلاً، ثم ميسان (178) تلتها بابل (122)، فصلاح الدين (104)، والبصرة (86)، ثم واسط (72) معتقلاً، فالتأميم (51)، ثم الأنبار (46)، فالقادسية (45)، وذي قار (20)، والعاصمة بغداد (13) معتقلًا، وأخيرًا محافظتي المثنى والنجف (معتقلين) في كل منهما.

وفي إحصائية بسيطة يمكن حساب أعداد المعتقلين من محافظة ديالى فقط، حيث بلغ عددهم (1786) معتقلاً، خلال الستة أشهر الأخيرة فقط، ولغاية نيسان 2012، وهذا هو المعلن من الجهات الأمنية فقط!

وفي يوم 1/3/2012، أكد محافظ ديالى المستقيل (عبد الناصر المهداوي) أن سجون محافظة ديالى تضم بمجملها أكثر من (1600) معتقل، وأن 90% منهم أبرياء وفق المؤشرات المتوفرة لدينا، ناهيك عن (600) معتقل آخر من سكان المحافظة في سجون محافظات أخرى، منها بغداد!

ديالى فقدت ثلة من الرجال الأخيار في معارك الصمود والتحدي ضد القوات الهمجية الأمريكية وفقدت مثلهم من الأشراف في المعتقلات التي نحر فيها رجال لا ذنب لهم إلا أنهم يحبون العراق، ومازالت المحافظة حتى الساعة تعاني من سيطرة الميليشيات الطائفية على عموم المحافظة، وأجهزتها الأمنية.

لا يمكن نسيان رجال ديالى المغدورين من أمثال الدكتور (علي المهداوي) مدير صحة ديالى الذي دعي لاجتماع في مبنى الوزارة، ودخل فيها ولم يخرج حتى الساعة، فهل يحصل هذا في أفسد دول العالم؟ وهذا الحال مشابه لحال (أحمد السامرائي) رئيس اللجنة الأولمبية الذي اختطف من اجتماع من بناية اللجنة، ومازال حتى الآن في عداد المفقودين!

مهازل! لكنها مهازل تشيب منها الولدان في بلد يدعي قادته أنهم يعملون من أجل خدمة الوطن والمواطن، ويبقى الأثر المبارك الذي يقول: أن الله لينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، وإن الله ليخذل الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة، يبقى هذا الأثر نهجاً صحياً لمن أراد أن يقود البلدان بصدق نحو البناء والإعمار، فبدون العدل لا يمكن أن ترتقي الأمم.

مؤامرات الترهيب والترغيب الجارية في ديالى لا يمكن من خلالها قتل روح الرفض للظلم، وحكومة المنطقة الخضراء تعرف قبل غيرها صدق وبطولة رجال ديالى.

هذه هي حقيقة العراق "الديمقراطي الجديد" فهو مقبرة فوق الأرض وتحتها، ولا يدري أهلنا هناك إلى أين يولون وجوههم، في بلاد قُلبت فيها الموازين، وضاعت فيها البوصلة، وما زال ساستها يتغنون بانجازات وهمية لا يجدها المواطن على أرض الواقع؟!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تجارة المناصب!

تناقضات!

الشرف السياسي!