نصف مليون مفقود عراقي!



أحلام الإنسان لا تقف عند حد معين، بل هي واسعة كامتداد السماء والأرض، وكل إنسان حينما يرزق بمولود جديد يعمل على تهيئة كافة المستلزمات المادية والمعنوية لتحقيق طموحاته، وتأمين مستقبله، ويجتهد في تربيته، وتغذيته حتى يقطف ثمرة هذا المخلوق الجديد في يوم من الأيام، وفي وسط هذه الآمال تحدث الكارثة ويقع المحظور، وتجد العائلة، في لحظة مخيفة من الزمن في العراق « الجديد»، أن ابنها في عداد المفقودين!!!
وهنا تبدأ عملية البحث عن القشة، التي نقلتها رياح الغدر والحقد إلى مكان بعيد، وبعد أن تُشبع العائلة فضولها في البحث والتقصي تستسلم لقدرها، وتتيقن أنها تبحث عن المعلوم في زمن المجهول، وأن ابنهم المفقود أصبح في خبر كان.
ولإثبات هذه الحقيقة أظهرت منظمة المدافعين عن حقوق الإنسان، وبالتعاون مع مركز بابل لحقوق الإنسان والتطوير المدني في محافظة بابل، في يوم 3/11/2011، أن عدد المفقودين في العراق تجاوز الــ(500) ألف شخص، معظمهم تم اختطافهم بدوافع طائفية، من قبل مليشيات فرق الموت، وتصفيات سياسية على يد ميليشيات بعض الأحزاب المشاركة في العملية السياسية في ظل الاحتلال، وهذه العمليات لم تكن عشوائية، بل هي مخططات محكمة استهدفت الكفاءات الجامعية، وأطباء، ومهندسين، وخبراء متخصصين، وضباطاً، وطيارين.
أما وثائق ويكيليكس، التي تجاوز عددها الـ(400) ألف وثيقة، فقد تحدثت عن مقتل (109) آلاف و(32) شخصا في العراق، بينهم (66) ألفا و(81) مدنيا، بمن فيهم (15) ألفا لم يتم الكشف عنهم حتى اللحظة.
وفي ما وصفه مؤسس موقع ويكيليكس بأنه حمام دم، تظهر الوثائق أن جيش الاحتلال الأمريكي كان على علم بحالات « سوء معاملة عدة على يد القوات الأمنية الحكومية العراقية إلا أنه غض النظر عنها»، وكما هو معلوم فإن الاحتجازات غير القانونية تؤدي إلى قتل خارج نطاق القانون، ومن ثم يتم التخلص من الجثة بهذه الطريقة أو تلك.
ممارسة التعذيب لم تكن وقفا على القوات الحكومية العراقية، إذ أشار مؤسس موقع ويكيليكس إلى وجود أكثر من (300) حالة موثقة عن تعذيب مارسته قوات الاحتلال، ليس فقط في (سجن) أبو غريب وحده، بل في كل مكان. كما قتلت قوات الاحتلال الأمريكية (600) إلى (700) مدني عند حواجز التفتيش التي أقامتها على امتداد العراق، أو خلال إطلاق نار استهدف مدنيين من طريق الخطأ.
ولا تزال الوثائق- وهي تقارير يومية كتبها جنود في الميدان وضباط وسط ورفعوها إلى قياداتهم- تكشف الكثير عن حقيقة ما جرى- ويجري- في بلاد القهرين.
نصف مليون عراقي مفقود، والنتيجة، نصف مليون عائلة تعاني من القلق والابتزاز، ونصف مليون عراقية من الأمهات الصابرات لا يعرفنّ الراحة، وعيونهنّ غارقة بالدموع، حزناً وألماً على هذه الكارثة، والحقيقة أن كثيرا من هذه العوائل تتمنى لو أنها تعرف خبر أبنائها، حتى ولو كانوا في عداد الموتى؛ حتى تستقر على حال، وتستسلم لقدرها.
ومهما يكن حجم الخسائر التي ذكرتها الوثائق المسربة، أو تقارير المنظمات المحلية والإقليمية، والدولية، فإنها لا تعكس حقيقة نهر الدم الجاري في العراق، كجريان نهري دجلة والفرات، نهر لا يمكن أن يتوقف إلا إذا رُتب البيت العراقي ثانية، وذلك بطرد أذناب المحتل، وإعادة كتابة الدستور، وتنقية القوات الأمنية الحالية من العناصر الإجرامية المتغلغلة فيها، وإشراك جميع الأطراف في العملية السياسية بصورة متوازنة وعقلانية، والابتعاد عن روح التقسيم والفيدرالية، وترتيب عودة أكثر من أربعة ملايين مهجر في أكثر من ثمانين دولة، ومن ثم إجراء انتخابات حرة نزيهة يكون فيها القرار للعراقيين لاختيار من يمثلهم في البرلمان، ومن بعدها انتخاب حكومة تمثل جميع أبناء الشعب المبتلى.
هذا ما نتمناه كعراقيين، لكن واقع الحال لا يبشر بخير، ولا ندري متى ستتوقف عمليات القتل المنظم، والاختطاف، والإعدام خارج نطاق القانون؟!






تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ملآذات كانت آمنة!

الأخوة "الأعداء"!

تناقضات!