ويكيليكس تفضح ساسة العراق الديمقراطي




يرى الفيلسوف اليوناني سقراط أنَّ السياسة هي فن المحافظة على أرواح الناس، ويراها بعض الخبراء أنها فن الحوار مع الآخر بينما نراها في العراق نتيجة لخبرتنا العملية منذ عام 2003، وحتى اليوم، على أنها الحفاظ على حياة الناس وممتلكاتهم وتوفير المستلزمات الحياتية الضرورية.


وساسة العراق الذين تعاقبوا على حكم بغداد منذ احتلالها على يد القوات الهمجية الأمريكية تفننوا في إراقة الدم العراقي، وهذه الجرائم تمت بمباركة قوات الاحتلال الأمريكية والبريطانية المسؤولة وفقاً للقانون الدولي عن حماية أرواح وممتلكات المدنيين في البلاد المحتلة.

رجال القلم الحر والكلمة الصادقة تحدثوا منذ الأشهر الأولى للاحتلال عن انتهاكات وجرائم وحشية يندى لها الجبين الإنساني، ووقفت قوات الاحتلال ومعها الحكومات المنصبة من قبلها بالمرصاد لكل من يقول كلمة الحق في بلاد أريد لها الضياع والشتات باسم "الديمقراطية والحياة الجديدة"، واليوم وبعد أكثر من (7) سنوات على الاحتلال الحاقد الهمجي السافل لأرض العراق ينشر موقع ويكيليكس المختص بنشر الوثائق السرية أكثر من (400) ألف وثيقة أظهرت بما لا يقبل الشك تورط رئيس الوزراء المنتهية ولايته نوري المالكي في قضايا تعذيب وقتل وإرهاب وحملات اعتقال وترتيبات وقرارات كانت تستند إلى أسس طائفية مستغلا منصبه كقائد عام للقوات المسلحة العراقية، وأظهرت الوثائق، أن المالكي كانت له فرق أمنية تأتمر بأمره ربما تورطت في تنفيذ اعتقالات ضد المخالفين لسياسته الطائفية، واستعملت العنف ضد من يعتبرهم تهديدا لنفوذه السياسي. 

وفي إحدى الحالات، تتحدث وثائق ويكيليكس عن (17) شخصا كانوا في الزيّ العسكري العراقي، أوقفهم الجيش العراقي الحكومي في أكتوبر/ تشرين الأول 2006، وقال نقيب من الموقوفين: إن عناصره من قوة خاصة تعمل لدى دائرة رئيس الوزراء نوري المالكي.

وفي محاولة بائسة لتغطية هذه الفضيحة الإعلامية اتهم المالكي جهات لم يذكرها بالاسم باستخدام الوثائق التي نشرها موقع ويكيلييكس كأداة لمحاربته ومفاقمة الوضع السياسي الراهن بواسطة جهات إعلامية قال إنها تسعى لتحقيق أهداف معروفة. 

فقد أصدر مجلس الوزراء العراقي بيانا أوضح فيه موقف الحكومة العراقية إزاء المعلومات الواردة في وثائق أميركية سرية سربها الموقع وبثتها وسائل الإعلام العربية والعالمية. وقال المالكي إن ثمة دوافع سياسية وراء استخدام تلك التسريبات لتوجيه اتهامات إليه لا تستند إلى دليل.

ودافع بيان مكتب رئاسة الوزراء عن دور حكومة المالكي في انتقاد بعض تصرفات الجيش الأميركي، التي قال إنها وصلت أحيانا إلى حدوث أزمات مع الجانب الأميركي.

كما أشار بيان مكتب المالكي أيضا إلى حرص الحكومة لإضافة بند في اتفاقية سحب القوات يمنع الجانب الأميركي من تنفيذ عمليات ميدانية قبل حلول موعد انسحابها بنهاية عام 2011، والتركيز على تطوير الجهاز الأمني العراقي لتولي مسؤولية البلاد الأمنية بفترة قياسية، مقارنة بتجارب عالمية مشابهة.

وحتى تتأكد حقيقة دور المالكي في هذه الانتهاكات قال الوزير العراقي السابق علي علاوي عن قوات كانت تمارس أوامر الاعتقال بأمر مباشر من المالكي، وكانت هذه تعد بضع مئات المسلحين.

وفي حالة أخرى، تتحدث الوثائق عن خمسة من كبار ضباط الشرطة كلهم سنة وبعثيون سابقون سرحهم المالكي من الخدمة، وأبدى حينها ضابط استخبارات أميركي مخاوفه في هذا الشأن. 

وتحدث ضابط سني رفيع اسمه زياد الشيخلي للجزيرة عن تهديدات صريحة بتصفيته إن لم يترك البلاد، وهو ما اضطر إلى فعله في الأشهر الأخيرة.

وحسب الوثائق، كانت من الأساليب التي لجأ إليها المالكي لتحييد خصوم سياسيين، محاولة حرمانهم من حماية الشرطة عند انتقالهم إلى أماكن خطرة، وهو ما حدث في 2009 مثلا مع محافظ نينوى عندما دخل في صراع مع الأكراد وقرر زيارة منطقة متنازع عليها.

ويتبين من الوثائق أن 1400 حادث إطلاق نار على الحواجز سجل في العراق منذ الغزو، تركزت في المناطق السنية وسط العراق، وقتل فيها 681 مدنيا.

أما في قضية السجناء فتكشف الوثائق أن (180) ألف شخص سجنوا لأسباب تتعلق بالحرب على العراق، أغلبهم من المناطق السنية، وتغطي هذه الوثائق الفترة بين الأول من يناير/كانون الثاني 2004 حتى ديسمبر/كانون الأول 2009.

كما تكشف الوثائق تورط القوات العراقية الحكومية بعمليات التعذيب الممنهج للسجناء باستخدام وسائل تعذيب عديدة بينها الكهرباء والانتهاك الجنسي، كما ثبت أن عددا من أفراد الشرطة العراقية جرى قتلهم على أيدي تلك القوات، وأن اشتباكات كانت تجري بين أبناء الزي العسكري العراقي نفسه.
المهم في كل هذه القضية هي كيفية ملاحقة رئيس الحكومة نوري المالكي قضائياً وتقديمه للمحاكم الدولية على اعتباره مجرم حرب.

الغريب أن قضية وثائق ويكيليكس عولجت بطريقة ضعيفة بل تم تجاهلها وهذا الأسلوب يعكس حقيقة مهمة وهي أن هؤلاء الساسة لا يهمهم أرواح الأبرياء من الناس وإلا فبدلا من تقديم المسؤولين عن هذه الجرائم إلى المحاكم المختصة نرى أن هؤلاء يكرمون بل ويتم اختيارهم قادة للعراق عبر تكليفهم بتشكيل الحكومة التي رمز للبلاد.

وفي يوم 2/مايو/ أيار 2010، أصدرت عدة منظمات بريطانية ودولية معنية بحقوق الإنسان بيانات إستنكار وتنديد بالانتهاكات وعمليات التعذيب التي مارستها الأجهزة الحكومية والتابعة لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي ضد المئات من المعتقلين الأبرياء في سجون سرية تابعة مباشرة لإدارة مكتبه.

وهذا الكلام كان قبل اكتشاف وثائق ويكيليكس فيما قالت، منظمة هيومان رايتس ووتش في شهر حزيران عام 2010، إنها حصلت نتيجة تحقيقاتها وتحرياتها على "أدلة" عن وجود سجن سري ببغداد اعتقل وعذب فيه العشرات من العراقيين، وأنها أجرت مقابلات مع أربعين شخصا قالوا إنهم كانوا قد اعتقلوا في هذا السجن وعذبوا فيه، فيما قالت صحيفة لوس انجلس تايمز الأمريكية إن المئات من السجناء تعرضوا للتعذيب في سجن سري ببغداد تديره وحدة عسكرية مرتبطة بمكتب رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، فيما نقلت وكالة اسوشيتيدبريس للأنباء عن كامل أمين وكيل وزارة حقوق الإنسان العراقية قوله إنه قبض على ثلاثة من ضباط الجيش على خلفية هذه القضية. 

وكان احد نزلاء السجن قد وصف كيف انه تعرض للضرب والتعذيب بالتيار الكهربائي والخنق بكيس بلاستيكي، ووو غيرها من الجرائم التي ثبت بالدليل القاطع تورط أركان الحكومة الحالية فيها؟!!.

والمصيبة أن رجال العملية السياسية السابقة ما زالوا مصرين على البقاء في مناصبهم، بل وتم اختيار المالكي لولاية ثانية في بلاد تعيش حالة من التناقضات السياسية والفكرية والمنطقية؟!!

هذه بعض صور العذاب الديمقراطي التي يعاني منها رجال العراق في المعتقلات السرية والعلنية، والأمر المهم، والذي يجب التركيز عليه، هو أن العراقيين يعرفون الكثير من القصص المؤلمة والتي لم يذكرها موقع ويكيليكس، لان قادة الاحتلال لم يوثقوا كل جرائمهم بكل تأكيد، لأنهم لا يملكون النزاهة الكافية ولا الشجاعة اللازمة لكتابة كل جرائمهم في العراق المبتلى، ومن المؤكد أنهم زوروا الحقائق حين تدوينها.

وصدق الشاعر العراقي عبد الرزاق عبد الواحد إذ يقول:ـ

يا صبر أيوب، لا ثوب فنخلعه * إن ضاق عنا ..ولا دار فننتقل
لكنه وطن، أدنى مكارمه* يا صبر أيوب، إنَّا فيه نكتمل
وأنه غرة الأوطان أجمعها* فأين عن غرة الأوطان نرتحل؟!
أم أنهم أزمعوا ألا يظللنا* في أرضنا نحن لا سفح، ولا جبل
إلا بيارق أمريكا وجحفلها* وهل لحر على أمثالها قبل؟
وا ضيعة الأرض إن ظلت شوامخها* تهوي، ويعلو عليها الدون والسفل!

وفي نهاية الأمر نقول: انه ومهما ادلهمت الخطوب، ومهما حاول الأشرار قتل روح النصر والحياة في بلادنا فإن شعبنا سينتصر في معركته ضد الاحتلال والعملاء، وسيعلم العالم حينها المديات الحقيقية للصبر العراقي.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ملآذات كانت آمنة!

الأخوة "الأعداء"!

تناقضات!