الفلوجة بين مطرقة السرطانات وسندان الإهمال


يبدو أنّ الجرائم الوحشية والانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان التي ارتكبتها قوات الاحتلال الأمريكية منذ اليوم الذي دنّست فيه أرض الرافدين في آذار عام 2003، لا تنتهي عند الانسحاب المزعوم لتلك القوات الغازية، ولا سيما في الفلوجة كبرى مدن محافظة الأنبار التي تعرّضت لهجومين غادرين استخدمت فيهما تلك القوات الهمجية الأسلحة المحرمة دولياً، وما زال أبناء هذه المدينة الصامدة يعانون من آثارها، كما هو حال أغلب مدن العراق.

قبل أيام اتصل بي صديق يسأل عن سبل الحصول على علاج لشاب عراقي من مدينة الفلوجة، اكتشف أنّ لديه سرطاناً في الحنجرة، وحينما سألته عن الأوضاع هناك قال إنّ انتشار الأمراض السرطانية في المدينة هو أمر لا يمكن تصوُّره، وصار الهاجس الأكبر لأبناء المدينة، وذلك بسبب آلاف الحالات التي اكتشفت في المدينة، وأيضاً الانتشار المخيف لظاهرة التشوهات الخلقية عند الأطفال حديثي الولادة.

الفلوجة الصامدة كان لها نصيب الأسد من هذه الكوارث، حيث توصّل فريق تابع لهيئة السيطرة والكشف عن المصادر المشعّة المتسببة بأمراض السرطان في العراق في يوم 19/3/2012، إلى موقعين جديدين في المدينة يحتويان على مادة مشعّة من خلال فحص التربة الملوثة بتلك السموم الخطيرة على حياة الإنسان والحيوان وحتى الأشجار والنبات، وأنّ الفريق المتخصص اكتشف أنّ معظم محافظات العراق قد تعرّضت وبدرجات مختلفة ومتنوعة لهذا النوع من الإشعاع، بسبب مخلفات قواعد قوات الاحتلال الأمريكية المنتشرة في البلاد، وأنّ هذه المخلفات أسهمت وبشكل كبير جدا في تلويث البيئة بصورة عامة، والمعامل التي دخلت إليها لغرض الإعادة أو التطوير، والتي شهدت إصابة العديد من العاملين فيها بأمراض سرطانية مختلفة، إضافة إلى احتواء مواد البناء والأبواب والشبابيك وحديد التسليح على هذه المواد المشعّة.

الدكتور عبد الستار العيساوي مدير مستشفى الفلوجة العام، أكّد ارتفاع أعداد الولادات المشوَّهة، وحالات الإصابة بالإمراض السرطانية المختلفة في صفوف أبناء الفلوجة، وأنّ فريقاً أوربياً- أمريكياً متخصصا بهذا الشأن كان قد زار مستشفى المدينة، وأعدّ تقارير ميدانية تضمّنت فحص المصابين والولادات المشوَّهة خلقياً.

وفي منتصف شباط 2011 نشرت "صحيفة الغارديان البريطانية" دراسة جديدة بيّنت أنّ التشوهات الخلقية لدى مواليد مدينة الفلوجة عائدة لنوعية الأسلحة المحرمة التي استخدمتها القوات الأميركية في ضرب المدينة بعد احتلال العراق عام 2003، مما تسبب بارتفاع العيوب الخلقية للمواليد في المدينة.

وسبق أن أكّدت دراسة بريطانية في حزيران 2011 أنّ ما حدث في مدينة الفلوجة عام 2004 فاق في بشاعته كل التصورات، كما تجاوز حجم الكارثة التي تعرّضت لها مدينتا (هيروشيما وناكازاكي) اليابانيتان اللتان قصفتا بقنبلتين نوويتين عام 1945.

وفي ظل هذه الأوضاع القاسية أكّدت لجنة الصحة والبيئة في مجلس النواب الحالي في أكثر من مناسبة أنّ هناك نقصاً حاداً في الأدوية والأجهزة التي تعالج المصابين بمرض السرطان، وأنّ أعداد المصابين بهذا المرض في ازدياد مستمر في البلاد.

الإهمال الحكومي لمدينة الشهداء والتضحية، الفلوجة، الذي أكّدته المنظمات الدولية قبل المحلية، سيؤدي إلى مضاعفة هذه الكارثة؛ لأن تجاهل حال المناطق التي تعرّضت للقصف الهمجي الأمريكي بالأسلحة المحرمة، سواء أكان في الفلوجة أم في غيرها من مدن العراق المنكوبة، سيقود إلى تسجيل حالات مرضية أخرى من المصابين، وبالتالي سنكون أمام حرب إبادة جديدة عبر هذه الأسلحة الخفيّة المدمِّرة، تضاف "لثمار التحرير الأمريكي لأرض العراق، التي حرقت الأخضر واليابس".

حال العراق اليوم لا يمكن وصفه بمقال، أو حتى بمئات البحوث العلمية، وحقيقة الحال فيه أنّ الخراب ينتشر في عموم البلاد، والحكومة ترتكب أبشع الجرائم في السجون السرية والعلنية، والشعب العراقي مغلوب على أمره لا يعرف إلى أين يولي وجهه، فهل يَحتمل الظلم والإهمال الحكومي، أم الضياع، أم الأمراض السرطانية الفتاكة؟!





تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تجارة المناصب!

تناقضات!

الشرف السياسي!