العراق بلا أموال




يُعرِّف ابن خلدون الدولة بأنها "كائن حي له طبيعته الخاصة به، ويحكمها قانون السببية، وهي مؤسسة بشرية طبيعية وضرورية، وهي أيضاً وحدة سياسية، واجتماعية لا يمكن أن تقوم الحضارة إلا بها، وأنها لا تقوم إلا على أساسين:

أولهما: الشوكة والعصبية المعبر عنهما بالجند.
وثانيهما: المال الذي هو قوام أولئك الجند، وإقامة ما يحتاج إليه الملك من الأحوال.
فالدولة في أولها تكون بدوية، حيث يكون الإنفاق معقولاً، وإذا عظم المال انتشر الترف الذي يؤدي إلى انهيار الدولة، فإنَّ نفقات السلطان وأصحاب الدولة تتضاعف، وينتشر الإسراف بين الرعايا، وتمتد أيديهم إلى أموال الدولة من جهة، ومن جهة أخرى يبدأ الجند في التجاسر على السلطة".
والعراق منذ احتلاله عام 2003 وحتى الساعة مبتلى بالاحتلال وأعوانه، وبلاؤهم على كافة الصعد السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية وغيرها، وبغداد فريسة ساسة لا يعنيهم إلا المصالح الشخصية والحزبية، ولو على خراب البلاد، ومستقبل أبنائها. 
ولتأكيد هذه البلوى، ذكر تقرير المراجعة نصف السنوية للأمم المتحدة، قبل أيام بأن "التمويل المقدم من الجهات المانحة الدولية في العام 2010 والذي لم يكن كافيا، أعاق بصورة خطرة تنفيذ مشروعات المعونة التي تقدمها المنظمات غير الحكومية والأمم المتحدة إلى العراقيين الأكثر ضعفا وعوزا، وأن العديد من المشروعات لم يبدأ بعد، بعدما أعلنت (8) وكالات تابعة للأمم المتحدة و(7) منظمات غير حكومية عاملة في العراق، بالإضافة إلى المنظمة الدولية للهجرة أعلنت، في بداية 2010، عن "خطة العمل الإنساني في العراق".
والتركيز كان منصبا على نقاط الضعف الدائم في جميع أنحاء العراق، مع استهداف المعونة للمناطق ذات الأولوية التي تبلغ الاحتياجات الإنسانية فيها أشدها، ويبلغ عددها (26) منطقة، وأنه تم تحديد متطلبات التمويل الإجمالية لخطة العمل الإنساني بمبلغ (187.7) مليون دولار، وأن "الأمم المتحدة لم تستطع تأمين سوى (31%) من هذا المبلغ، أي ما يعادل (58) مليون دولار، فضلا عن (35.8) مليون دولار من هذا المبلغ هو من التعهدات المرحلة من العام 2009، في حين أن الـ(22.3) مليون دولار المتبقية هي مساهمات جديدة من الجهات المانحة".
بعض المتابعين للشأن العراقي قالوا إن "الصراع السياسي المستمر منذ انتخابات (7) آذار/مارس خلق حالة من الارتباك في المجتمع الدولي، ما أدى إلى غياب الثقة، وخاصة من قبل الجهات المانحة الدولية، وبشكل رئيسي الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة".
ممثل برنامج الغذاء العالمي في العراق إدوارد كالون أكد أنه "بسبب نقص تمويل خطة العمل الإنساني في العراق تم تعليق توزيع الغذاء على (800) ألف من الحوامل، والمرضعات، والأطفال الذين يعانون من سوء التغذية، كما تم أيضا تعليق توزيع الغذاء على (960) ألف طفل من طلاب المدارس".
هذا الكلام يأتي في الوقت الذي تستهلك فيه رواتب النواب، والمسؤولين الكثير من موازنة الدولة، حيث يتقاضى النائب الواحد حوالي (20) ألف دولار كمرتب وبدل إيجار، فضلا عن رواتب الحمايات الخاصة والسيارات المصفحة، ومخصصات أخرى مثل بدلات السفر، والعراق اليوم يمتلك جيشاً من المتقاعدين المدللين من أعضاء مجلس النواب والجمعية الوطنية ممن يتقاضون ملايين الدولارات من دون تقديم خدمة تستحق ذلك، حيث إن المرتبات الضخمة التي تمنح للمتقاعدين السابقين في المجلس، والتي تصل إلى (مليونين و(750) ألف دولار) لشهر واحد، أي (32) مليون في السنة الواحدة و(128) مليون دولار للسنوات الأربع المقبلة، من دون المخصصات والبدلات، وهذا يعني أن ميزانية العراق، أو بالأحرى خيرات العراق مخصصة في غالبيتها لهؤلاء وحاشيتهم فقط.
أما رواتب ومخصصات رئيس البلاد، ورئيس الحكومة، فهذا سر لا يعلمه الله، والقلة القليلة من رجال المنطقة الخضراء. 
فأين الدولة التي تحدث عنها ابن خلدون، وأين مقوماتها، والتي منها الشوكة والمال؟!!
على العموم، هذا هو حال بلاد النهرين، أو كما سماها أحد كتاب الفن الساخر في العراق (بلاد ما بين القهرين)، وبلاد ثاني أكبر خزين نفطي في العالم، نخب من رجال المنطقة الخضراء تنهب ثروات العراق، وهم متحصنون في مغاراتهم، بينما نجد خارج أسوار هذه المنطقة شعباً لا يعرف كيف يؤمن لنفسه لقمة عيشه؟!!
العراق بلد لا تنمحي مكانته بين الأمم مهما ادلهمت الخطوب، ومهما تكالب الأشرار والغرباء في محاولاتهم الشريرة للقضاء عليه.
ونقول للأحرار في العالم: اطمئنوا فإن شعبنا الذي هَزم أمريكا، سيحاسب سراق ثرواته من الغرباء الذين يدعون الانتماء إليه في القريب العاجل.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تناقضات!

من ذكريات معركة الفلوجة الاولى

الكرد والنظام التوافقي في العراق!