آهات ممزوجة بذكريات رمضانية عراقية


تستقبل كافة الشعوب الاسلامية شهر رمضان بعادات وتقاليد جميلة ومتنوعة، وهي عادات مليئة بالفرح والحب والخير والنور والعطاء، وبعيدة عن الخراب والتدمير والتمزيق والعنصرية والطائفية.
والعراقيون- منذ عشر سنوات- يستقبلون شهر رمضان المبارك بثوب مختلف، ثوب مطرز بالفشل والإرهاب الحكومي والقتل المليشياوي والتهجير القسري، وقبل رمضان بيوم واحد فقط، وتحديداً يوم 9/7/2013، استقبل العراقيون رمضان  بتقرير مشترك أعده الصندوق من أجل السلام، ومجلة السياسة الخارجية الامريكية (foreign policy)، والذي أكد وقوع العراق في المرتبة (11) ضمن مؤشر الدولة الفاشلة للعام 2013.
وودع العراقيون شعبان بجريمة بشعة وقعت في وضح النهار في العاصمة بغداد، حيث نقلت وكالات الأنباء عن مصدر امني قوله: "إن مسلحين مجهولين اقتحموا صباح الثلاثاء ( 9/7/2013)، منزلاً يقع في حي الكرادة وسط بغداد، وقتلوا أربعة أشخاص من أسرة واحدة، وسرقوا مبلغاً من المال وحليا ذهبية، والضحايا هم امرأة ورجل وصبيان". وشهدت بغداد في ذات اليوم مقتل موظف في معمل مصابيح التاجي بهجوم مسلح، كما قتل مدني وأصيب ثلاثة آخرون بانفجار مفخخة شمال العاصمة أيضاً، فيما قتل مهندس في وزارة الاسكان بهجوم مسلح امام منزله في منطقة (الغزالية) غرب بغداد!
هكذا هي المشاهد المؤلمة في حياة العراقيين اليوم، ورغم الألم يحاول العراقيون التأقلم مع الواقع المرير، وأظنهم نجحوا في محاولتهم.
رمضان في الماضي كان بلا دم، بلا خوف، بلا إرهاب، كان جميلاً رغم صعوبة العيش. وبعيداً عن مشاهد الخوف والدم، سنحاول هنا أن نتذكر بعض المشاهد الجميلة التي تملئ النفس بهجة وسروراً.
العراقيون في رمضان لهم عاداتهم وتقاليدهم التي ما زالوا حتى اليوم يحاولون الحفاظ عليها؛ لأنها جزء من الموروث الديني والشعبي.
رمضان في العراق، مختلف عن بقية بلدان المنطقة، حيث حرارة الصيف في بلادنا قد تصل لـ(50) درجة مئوية، ورغم ذلك ترى الناس يتسابقون في رمضان على فعل الخيرات.
 في وقت الفطور يسارع الصائمون للماء والعصائر؛ لأن حرارة المناخ المرتفعة تدفعهم للسوائل؛ حتى انهم لا يستطيعون تناول ما تم إعداده من وجبات رمضانية، وفي باحات المساجد تنصب الموائد، وتملا بأنواع التمور، والأطباق المنزلية المتنوعة، وبعد الصلاة يتسابق المصلون فيما بينهم، من الذي يكسب الآخرين للفطور معه في منزله؟! هذه العادات الشرعية الشعبية تستحق الاحترام والتقدير، على الرغم من محاولات الأعداء القضاء عليها.
وفي صلاة العشاء تغص المساجد بالمصلين، لأداء صلاة الفريضة والتراويح التي تكون في العراق بطريقة متميزة عن بقية بلدان المنطقة، حيث يردد المصلون بين كل اربع ركعات: (سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ثلاث مرات) ثم يقوموا لإتمام الصلاة.
وبعد صلاتي العشاء والتراويح تشهد العديد من الأحياء في العاصمة بغداد، وبعض مراكز المحافظات، تنافساً حاداً بلعبة المحيبس(الخاتم)، وهي لعبة شعبية ترفيهية تتبارى فيها فرق عريقة مثل فرق الأعظمية والكاظمية والفضل وغيرها، وبعد المباراة توزع ( الزلابيا والبقلاوة) وهي من أنواع الحلويات العراقية، ويتخلل هذه اللعبة أهازيج تراثية مليئة بالحب والدعوة للتآلف.
وفي وقت السحور يطوف ابو الطبل (المسحراتي) في شوارع الحي، وهو يدق بطلبه، وينادي: (سحور سحور)، هذا الرجل المتطوع في عمله يقبل ما يجود به الأخيار عليه من عطايا خلال رمضان، وفي صباح يوم العيد.
ذكريات، وذكريات! لا ندري هل سنعود إليها في يوم من الأيام، أم لا؟!
وأحسن صديقي الشاعر مكي نزال، وهو يتحدث عن رمضان في الغربة، إذ يقول:
سأصوم بعيدًا عن وطني
يختلف التوقيت
في الفجر يصلّي أهلي
قبلي
وعند المغرب
يفطر أهلي
قبلي
مائدة الإفطار ستبكي
والمئذنة ستسأل عني
فأنا بالنسبة للباقين على الجمرِ
منفيٌّ للجزر المنسية
وهنا لا يوجد جندٌ يقتحمون الدار
بحثًا عن بعض الأسرار
عن رشاشٍ
أو حرفٍ من نورٍ
أو أشعار
لكن يوجدُ ألفُ شعورٍ
بالغربةِ
وببعض العار
لن أفرح بالعيد المجروح
ولن ألبس اي جديد
فأنا في الغربة منفيٌّ
والعيد لمن كان يصلي خلف الأسوار
يتوضّؤ بدماء الحرية

ويطير بأجنحة من نار.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تناقضات!

من ذكريات معركة الفلوجة الاولى

الكرد والنظام التوافقي في العراق!