آمال العراقيين بين الأحلام والواقع




بينما كنت ذاهباً إلى عملي الصحفي في بغداد توقفت سيارتي فجأة، وأنا من الذين لا يعرفون إلا الجلوس خلف مقود السيارة، ولا اعرف شيئاً عن ميكانيك السيارة، وخلال دقيقة واحدة وقفت بجانبي سيارة شرطة حديثة، نزل منها مجموعة من الشباب المبتسمين وهم يحملون باقة ورد جميلة، وقدموها لي، وقالوا: نحن آسفون لهذا العطل الذي أصاب سيارتك، وبعد بضع دقائق أصلحوا سيارتي، وتمنوا لي السلامة، وحينما حاولت أن أقدم لهم مكافأة «إكرامية» انزعجوا جداً، وقالوا: نحن لا نعرف في عملنا الوظيفي شيئاً اسمه الإكرامية، وشعارنا «إننا في خدمة الشعب»!

وحينما وصلت إلى مكان عملي، وجدت على مكتبي كتاباً من رئاسة الوزراء يشكرني فيه « دولة الرئيس» على مقالي الأخير؛ لأنني وجهت فيه نقداً لشخصه ولحكومته، معتبرا أن ذلك يصب في مصلحة البلاد، ومسيرة الإعمار الجارية في زمن «الديمقراطية المميزة في العراق الجديد»!

وفي الصباح ذاته قرأت خبراً في إحدى الصحف مفاده أن مدعي عام محكمة الرصافة ببغداد قد أمر بالتحقيق مع أحد كبار المسؤولين الحكوميين؛ وذلك لاتهامه بعرقلة معاملة تعيين مواطن في القطاع العام؛ وأيضاً لأن هذه الحالة نادرة الحصول، وهذه أول معاملة لمواطن تُعرقل بسبب الروتين. فجميع المسؤولين، وكل من في العراق محكومون بالقانون، ولا يمكن لأي موظف مسؤول - مهما كانت وظيفته- أن يعطل أية معاملة لمواطن؛ لأن الناس جميعهم سواسية!

وحينما أنهيت عملي في الجريدة عدت إلى البيت، وكانت الطرقات مليئة بالأشجار والزهور الراقية على جانبي الطريق، والناس مستمتعون بالحدائق العامة المجانية، وبالخدمات المتميزة من كهرباء على مدار الساعة، وبثمن زهيد، ومياه صالحة للشرب، تشرف عليها كبريات الشركات الفرنسية المتخصصة بالفلترة، وشبكة مميزة من الطرق والجسور الممتدة في كل اتجاه؛ من أجل توفير الراحة والطمأنينة للمواطنين، ولم أر في طريق ذهابي وإيابي أية نقطة تفتيش حكومية!

وفي الطريق إلى بيتي خطر ببالي أن أتناول طعام الغداء مع عائلتي في مطعم سياحي على نهر دجلة، فاتصلت بزوجتي بهاتفي المحمول لأخبرها بفكرتي لتناول الطعام خارج الدار، وحينها أخبرتني أن الحكومة أعلنت الآن بخبر عاجل إضافة عشرات الأنواع من المواد الغذائية الجيدة لقائمة البطاقة التموينية، ومن مناشىء مرموقة، عموماً، فقد نسيت أن أخبركم أن الدار التي اسكنها قد وزعتها الحكومة على المواطنين مجاناً؛ وذلك حباً وإكراماً لهم.

وبعد نصف ساعة وصلت إلى باب الدار، فلم أجد زوجتي وأولادي بانتظاري، فبدأت أنادي على ابني، وحينها أيقظتني زوجتي، وقالت: مالك تصرخ في نومك؟ وعرفت ساعتها إنني كنت احلم بالعودة إلى بغداد!

هذا الحلم الجميل راودني؛ لأنني التقيت قبل أيام بصاحبي الصحفي البغدادي الهارب من مذكرة اعتقال أصدرتها الحكومة ضده باعتباره من المشمولين بالمادة (4) إرهاب، بتهمة التحريض على «الدولة»؛ لأنه لمّح في مقال له إلى مسؤولية حماية احد المسؤولين عن دهس امرأة وسط بغداد أثناء مرور موكبه الرسمي.

الرجل حدثني –أيضاً- عن سيارته التي تعطلت بالقرب من فندق المنصور ميليا ببغداد، وكيف انه تعرض للإهانة والسب من بعض رجال الدورية القريبة من الفندق، وسحبهم لسيارته من غير رحمة، ما تسبب بخراب الفرامل الأمامية والخلفية، وانفجار ثلاثة إطارات، والتحقيق معه لأكثر من ساعتين عن أسباب توقفه «المتعمد» في هذا المكان!

وصور لي معاناة الناس في عراق اليوم بسبب انقطاع الكهرباء شبه المستمر، وانعدام المياه الصالحة للاستخدام البشري، وتخريب الشوارع وتراكم النفايات فيها، وانتشار الجريمة المنظمة، وشبه انقطاع للبطاقة التموينية التي تعتبر المصدر الرئيس لقوت الفقراء من العراقيين الذين يمثلون اليوم أكثر من ثلث المواطنين.

حلمي: هو أملي بأن يكون العراق بصورة وردية جميلة، على عكس المناظر المؤلمة المترامية الخراب في عراق ما بعد عام 2003.

أمنياتي للعراق الحبيب وأهله بالسلامة وبالخيرات، وبالأمن وبالأمان.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تجارة المناصب!

تناقضات!

الشرف السياسي!