كل عام وشباب العراق بخير


الشباب نبع الطاقة التي تمد الأمة بالكوادر المنتجة، وهم أمل الأوطان في البناء والعمران، والرافد الذي لا ينضب في التضحية، وهم الذين يمدون الحياة بالطاقات المتجددة.
والقيادات الناجحة هي التي تتفهم مطالب الشباب وتحترمها، وإلاّ فإنّ تجاهُل آمال وطموحات هذه الفئة سيجعل منهم براكين يمكن أن تثور في أيّ لحظة.
شباب العراق عُرفوا عبر التاريخ بقدراتهم التغييرية، وهم اليوم، بعد عام من انطلاق الربيع العراقي في 25 شباط 2011، متحرقون لأنّهم متيقنون أنّهم مخدوعون، ومهمشون، وسائرون إلى المجهول، وأيضاً لانكشاف زيف الشعارات البراقة الخاوية التي رفعت منذ مرحلة ما قبل احتلال العراق عام 2003، وحتى اليوم، وكذلك بسبب تدني مكانة بلادهم في المنطقة والعالم.
في مثل هذه الأيام، من العام الماضي انطلقت ثورة الشباب العراقي في ساحة التحرير، لتعلن للعالم أجمع أنّ العراقيين رافضون للمهازل المستمرة في بلادهم، وهم لا يحلمون إلاّ بالعيش كبقية شعوب العالم "الفقيرة"، على الرغم من الثروات الطبيعية والبشرية الموجودة في بلاد الرافدين.
مظاهرات العراقيين انطلقت بكفالة الدستور الذي كتبه ساسة العملية السياسية، وكانت مظاهرات سلمية تطالب بتحسين الخدمات والقضاء على الفساد المستشري في جسد "الدولة"، وقد نص الدستور العراقي في الفقرة ثالثاً من المادة (٥٥)، في النسخة المعدلة من الدستور الذي كتب عام 2005 على: (تكفل الدولة، بما لا يخل بالنظام العام والآداب: حرية الاجتماع والتظاهر السلمي، وتنظم بقانون).
هذه الشعارات الدستورية البراقة دفعت العراقيين للمطالبة بحقوقهم المشروعة من خلال ممارسة السبل الحضارية اللاعنفية، ومنها المظاهرات التي قابلتها "الحكومة الديمقراطية" بالحديد والنار، والنتيجة عشرات الشهداء والجرحى والمعتقلين.
رأس الحكومة نوري المالكي أطلّ على العراقيين بخطاب ليلة المظاهرات اتّهم فيه الشباب بأنّهم عملاء لقوى إقليمية، لم يسمها، داعياً إياهم إلى "عدم المشاركة في مظاهرة الغد لأنّها مريبة، وفيها إحياء لصوت الذين دمروا العراق وأسقطوا سيادته، ودمروا مؤسساته وأشاعوا القتل والفساد".
ورغم همجية التعامل مع الشباب المسالم أبى هؤلاء الشباب إلاّ الاستمرار بمظاهراتهم السلمية القانونية، وتفاجأ المتظاهرون في التحرير بوجود "شبّيحة المالكي" الذين تغلغلوا بين المتظاهرين بزي مدني، وأوقعوا عشرات الجرحى بين الشباب، باستخدام الآلات الحادة والعصي.
مظاهرات التحرير تزامنت معها مظاهرات جماهيرية في العديد من المحافظات الشمالية والوسطى والجنوبية عكست روح الوحدة الوطنية العراقية، مدمرة بذلك المشاريع العرقية والطائفية والتقسيمية المميزة للعملية السياسية المشلولة المستمرة في المنطقة الخضراء.
ومع كل صور البطش الحكومي للمظاهرات، صار يوم الجمعة عيداً للشباب العراقي، ولا زالت هذه المظاهرات مستمرة في كل أسبوع على الرغم من التكتم الإعلامي الرسمي عليها.
مما لا شك فيه، أنّ الساسة الذين جاؤوا على ظهور الدبابات الأمريكية غرباء عن الواقع العراقي، بكل ما تعنيه كلمة الغربة من ضياع وفقدان للهوية، ولا يعرفون صدق انتماء العراقيين لبلدهم والتصاقهم بأرضه، وبالتالي فشلوا فشلاً واضحاً في التعامل مع ملف الشباب، والمطالب الجماهيرية المختلفة، ومنها تحسين الخدمات، والقضاء على الفساد المالي والإداري، واحترام كرامة الإنسان وحقوقه.
يوم 25 شباط المقبل، سيكون يوم الانتصار للعراق، وستشهد مظاهراته حضوراً كبيراً لمنظمات إنسانية، وحقوقية دولية في بغداد والمحافظات، وذلك لمراقبة سير المظاهرات، ومراقبة قمع الأجهزة الحكومية للشباب المتظاهرين في ساحات التحرير في كل أنحاء العراق.
إذا كانت مظاهرات الأمس لغايات تحسين الخدمات والقضاء على الفساد، فإنّ مظاهرات اليوم هي للتغيير وطرد عملاء الاحتلال، وهذه النتيجة باتت قاب قوسين، أو أدنى لأن تجربة التسع سنوات المريرة كشفت زيف الادّعاءات التي يتلحّف بها أغلب ساسة العراق اليوم، والأساليب الترهيبية الفاشية والترغيبية "المالكية" لا يمكنها أن تقنع العراقيين بالتخلي عن شعار التغيير؛ لأن الربيع العراقي لن يقف دون جني ثمار الحرية، التي طال انتظارنا لها.




تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تناقضات!

من ذكريات معركة الفلوجة الاولى

الكرد والنظام التوافقي في العراق!