ساسة العراق والمناصب والهجرة النبوية



مما لا شك فيه أن  ديننا الإسلامي الحنيف دين عالمي، وتشريعاته قابلة للتطبيق في كل زمان ومكان، ومن المصادر المهمة للتشريع، بل هي المصدر الثاني الذي لا خلاف عليه بعد القران الكريم، هي السنة النبوية المطهرة، والسنة النبوية تتضمن الأفعال، والأقوال، والتقريرات الصادرة عن شخص النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم باعتباره رسولاً من رب العالمين ومشرعاً لخير الدنيا والآخرة.

ونحن اليوم كبلدان عربية وإسلامية نواجه حملات شرسة شُنت على الأمة بدعاوى مكافحة الإرهاب، ومع الأسف الشديد يقصد بها من قبل غالبية الدول الغربية وأمريكا، " الإرهاب الإسلامي"، لكنهم لم يصرحوا بهذا التعبير بوضوح تام، إلا أن تداعيات ما وقع من أحداث في العالم تثبت هذه الحقيقة، والرئيس الأمريكي سيئ الصيت جورج بوش الابن قالها - وبلا خجل - لقد بدأت الآن الحرب الصليبية، وهو القائل إن الرب أمرني بضرب العراق.

ومن نتائج الحرب الانتقامية التي سميت الحرب على الإرهاب احتل كل من أفغانستان والعراق،  ولازال كل من البلدين، حتى اليوم يعانيان من تداعيات هذا الاحتلال، الذي قتل، وهجر،  واغتصب، وخرب، ودمر اغلب القيم والمعالم الإنسانية، والتاريخية، والاجتماعية في هذين البلدين، إلا أن إيمان الأفغانيين والعراقيين كان حائلا دون انهيار القيم الدينية والإسلامية انهيارا كاملا، وهذا ما أثبتته السنوات العجاف الماضية من عمر الاحتلال في هذين البلدين العريقين .

احتلال العراق جعل الناس في حيرة من أمرهم في كيفية التعامل مع الواقع الجديد للعراق، والناس كما هو واقع الحياة في عموم العالم بين منْ يجعل الدين مرجعاً له، وبين منْ يجعل الوطنية والمنطق والعقلانية مرجعا له، وبين هؤلاء وهؤلاء وجدنا المندفع والممتنع عن واقع الحياة الجديدة، وكيفية التعامل معها.
ونحن لن نتكلم عن الفريق الذي اختار رجاله الأبطال مقاومة الاحتلال؛ لأنها الحالة المثالية التي لا خلاف عليها حتى أن المجرم جورج بوش الابن قال لو احتلت بلادي لقاتلت من اجلها، وإنما كلامنا سيكون عن الطبقة التي رأت لنفسها المشاركة في العمل السياسي في العراق الجديد.


وواقع الأمر، بدون التطرق إلى طبقة المقاومين، قسم النخب في العراق إلى قسمين، فهنالك من امتنع عن الاعتراض - بأي شكل من الأشكال- على مشاريع الاحتلال، وخراب الحكومات التي نصبت من قبله، وهؤلاء يمثل غالبيتهم الأحزاب التي التقت في لندن وصلاح الدين، وتآمرت على العراقيين، وليس على صدام حسين وحده؛ لأنهم لو كانوا يستهدفون الرئيس العراقي السابق لتوقفوا عن إجرامهم بعد أن أعدموه في يوم مقدس من أيام المسلمين، ألا وهو عيد الأضحى المبارك، وهم إلى اليوم يرتكبون عشرات الجرائم في كل يوم ضد هذا المواطن، أو ذاك بحجج وأكاذيب لا أساس لها، إلا أنها في الحقيقة مجرد تصفية حسابات وتفريغ أحقاد، وأيضاً هذا الفريق يمثله مجموعة من النفعيين المتواجدين في كل زمان ومكان في العالم.
أما الفريق الثاني، فهم الذين ارتضوا لأنفسهم المعارضة السياسية بالكلمة والقلم والموقف، ورفضوا الوقوف مع الاحتلال وحكوماته المتتالية.


الفرق الأول، فيه من يرى أن العمل من الاحتلال والحكومات التابعة له، ربما سيخفف من حجم الكارثة التي لحقت بالعراقيين، وأنا لا أريد أن أتكلم بلغة طائفية؛ لان الضيم والظلم وقع على كل من وقف بشرف وبعز ضد الاحتلال سواء أكان من الإسلاميين، أو العلمانيين وهذه مواقف لا يمكن نكرانها لأنها واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار.
ومنذ أن تأسس ما يسمى " مجلس الحكم" في السنة الأولى من الاحتلال، وجدنا من يبرر العمل مع المحتل وحكومات المنطقة الخضراء؛ بحجج منها: أن الدخول في هذا المعترك يجعلهم على مقربة من مطبخ صنع القرار، وكذلك يمكنهم أن يخففوا الظلم عن الوطنيين ونصرة المظلومين، والعمل على الإصلاح قدر الإمكان.


وبالعودة إلى الحجة الأولى، وهي " قربهم من مطبخ صنع القرار" نجد أن اللاعبين السياسيين لا يكشفون لبعضهم البعض عن أصول اللعبة، وما يجري خلف الكواليس، ومن الأمثلة القريبة على هذا الأمر ما أعلنه بعض أعضاء القائمة العراقية قبل أيام، حيث أكدوا أنهم غرباء عما يجري من قرارات ولا يعرفون الكثير من التحركات السياسية والإستراتيجية الدائرة في البلاد على الرغم من كونهم قد فازوا بالانتخابات الأخيرة وتم الانقلاب عليهم ديمقراطيا ليصبح المالكي رئيسا للحكومة بدلا من علاوي الذي كان المفترض أن يكون رئيساً للحكومة؛ بحكم فوزه، وبعد ذلك همش الرجل بصورة واضحة، حاول بعدها إبراز دوره عبر تصريحات مهمة، منها تعهده بأن يكون معارضا لحكومة المالكي أن استمرت بنهجها المعمول به حاليا من اعتقالات وإقصاءات وتجاهل الآخرين أقول كان الأولى به أن ينسحب ولا يبقى راكضا وراء المناصب لان المنصب الذي لا عز فيه لا خير فيه .

وهذا الكلام مع الأسف الشديد لا ينطبق على الرئيس القائمة العراقية إياد علاوي فقط، وإنما ينطبق على قيادات إسلامية وعلمانية داخلة في العملية السياسية وهي مستقتلة من اجل هذا المنصب، أو ذاك .
أما حجتهم الثالثة: ( ربما يستطيعون تخفيف الظلم الواقع على العراقيين)، فان الأيام أثبتت أنهم عاجزون بل لا يأمنون، حتى  على أنفسهم،  من الاعتقال، وما جرى لقيادات ورموز عراقية معروفة اخجل أن اذكر أسمائها من إهانة، وضرب و شتيمة وهم في السلطة وقد أكدوا ذلك بأنفسهم عبر وسائل الإعلام المرئية وهذا الأمر معروف للجميع، وهو اكبر دليل على ما أقول، بل إن احد رموز القائمة العراقية أكد انه عاجز عن إطلاق سراح معتقل واحد بينما يمكن للمالكي رئيس الحكومة أن يطلق سراح جميع المعتقلين وهذا الأمر يجعلنا في حيرة هل أن المعتقلين تم اعتقالهم بموجب رغبات شخصية أم وفقا لاعتبارات قانونية في بلاد تعد من البلدان الأولى التي كتب فيها القانون البشري.


ومن الأمثلة البعيد بعض الشيء تصريح محمود المشهداني رئيس مجلس النواب الأسبق يوم 13/8/2006، حينما قال إن العملية السياسية في العراق في خطر بسبب الاحتقان الطائفي.
ونفى المشهداني علمه بإجراء تغييرات وزارية وقال: لا علم لي بالموضوع حيث لا توجد اتصالات بين الرئاسات الثلاث، مضيفا: من وسائل الإعلام نعرف ما يجري من أمور بالبلد وحكومتنا حكومة فضائيات وكبار المسؤولين يدخلون البلد ويخرجون ولا نعرف ماذا فعلوا؟!!



وهذا الرجل هو واحد من القيادات الثلاث في العراق الجديد، وهم، بالإضافة إلى رئيس مجلس النواب، كل من رئيس الجمهورية، ورئيس الحكومية، فكيف الحال ببقية أعضاء الحكومة الذين لا همّ لأغلبهم إلا معرفة كيفية تنمية موادهم الخاصة، وليذهب العراق إلى الجحيم!!!
ومن الأدلة المعروفة ما تعرض له النائب ( محمد الدايني) من إقصاء واتهام بالإرهاب وسحب عضويته من مجلس النواب؛ بسبب عمله وجهده لكشف بعض المعتقلات السرية التابعة للحكومة وأحزابها الطائفية، وبالنتيجة صوت رجال الديمقراطية على رفع الحصانة عن الرجل الذي اعتقل في مطار بغداد، وتم تهريبه بطريقة قريبة من الخيال إلى خارج العراق، وقبل أيام أكدت المحكمة البرلمانية الدولية نفي التهم المنسوبة للدايني، وطالبت الحكومة بسحب كل الاتهامات الموجهة للدايني، وأنا بدوري اطلب من السيد الدايني أن ينأى بنفسه عن هذه المناصب والبقاء في صفوف القوة المناهضة للواقع المرير في العراق



أما الحجة الثالثة وهي عملهم على الإصلاح، ولا اعرف كيف اعلق عليها؟؛ لأن العراق يسير يوما بعد آخر من خراب إلى خراب اكبر، ومن دمار إلى دمار أقوى، ومن فساد إلى فساد أعظم، والنسب المخيفة للبطالة والفقر، وانعدام الخدمات، وتفشي الرشوة، والمخدرات وزراعتها، والبضائع الفاسدة، وغياب الرقابة الاقتصادية، وانتشار السلع الفاسدة التالفة المدمرة لصحة الملايين من الأبرياء، وانتشار الجريمة المنظمة من عصابات مدعومة من هذا الطرف، أو ذاك من المتغلغلين في حكومة دولة القانون، والحق انه إصلاح شكلي، والواقع مأساوي مخيف!!!


الدكتاتورية الجديدة الموجودة في العراق اليوم تجعلنا على مفترق طرق، إما أن نكون على الحق، أو نكون مع الباطل، وسيرة النبي الكريم تدفعنا - وبلا أدنى شك- للوقوف مع الحق؛ لأن ديننا دين الحق، ودين العدل، والرحمة، والرقة، والحب، والإخاء، والعطف، والرأفة، فهل التقاتل على السلطة والمنصب يجعلنا ننسى ديننا وتعاليمه؟!!
لا خير في منصب لا يقدم الخير للناس، وهل نسينا قوله صلى الله عليه وسلم ( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) أم أن الإسلام - عند اغلب هؤلاء- هو وسيلة لتحقيق أهداف دنيوية باسم الدين، وهذا النبي الكريم عرضت عليه قريش أن يكون أكثرهم مالا، وان يكون ملكا عليهم،  وقدموا له كل المغريات المادية، إلا انه رفض ذلك من اجل المبدأ، ودعوة الحق، والتسامح، والعدل، والخير، والرأفة، والعلم، ونبذ الإرهاب، والرفق بكل مخلوق، وبالحيوانات والجمادات!!!
أين نحن من سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، الذي هجر المغريات من اجل الحق والمبدأ ونصرة المظلومين، إذاً، علينا أن نراجع أنفسنا قبل فوات الأوان، وقبل أن يأتي يوم لا ينفع فيه مال، ولا بنون، ولا منصب، ولاجاه، ولا سلطة.



اللهم إني بلغت اللهم فاشهد.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تجارة المناصب!

تناقضات!

الشرف السياسي!