عيد وانسحاب وغربة .





تتداخل في عقل الإنسان، أحياناً، العديد من الأفكار الطيبة والمؤلمة، والذكريات الجميلة والقاسية؛ وبسبب الخوف من الشماتة والتشفّي من بعض الحاقدين، نجد أنّ الإنسان يتحامل على جراحات نفسه، ويظهر جلادة كبيرة في مواجهة تقلّبات الحياة المؤلمة، وخصوصاً في ديار الغربة القاتلة.



والغربة لمن لم يجرّبها هي منبع الآهات والأنين، وهي روضة مليئة بالشوك والخراب، وهي ضياع الروح وحرمانها من نسمات الوطن العليلة، وهي وحشة الفكر عن التمتّع ببركات الأهل والأصدقاء، وهي بعبارة بسيطة اغتيال للإنسان، أو كما يقال هي صورة من صور الموت بين الأحياء.


قد يظن بعض الناس أنّ في هذه الصورة شيء من المبالغة والسوداوية والظلامية، لكن الحقيقة أنّ هذه الأمور هي من الأمور الذوقية التي لا يمكن أن يعبّر عنها أكبر الأدباء براعة ومهارة في تنميق الكلمات؛ لأنّها مرتبطة بالإنسان وروحه، وهذه أسرار إلهية لا يمكن الوقوف على حقيقتها إلاّ بالتذوّق.


وفي العراق اليوم، مع الأسف الشديد، تتداخل الأفراح والأتراح؛ لأنّ الحياة مرتبكة، ولا تستقر على حال، والمنظر العام المألوف هو القتل والاغتيال بدم بارد من قبل عصابات إجرامية تحتمي بالقانون، بل أغلبهم من الأجهزة الأمنية، وبالتالي ينفّذون جرائمهم البشعة تحت حماية القانون، وبإسم القانون، ومكافحة الإرهاب!


هذه العصابات الإجرامية، وفي لحظة من الزمن، تختارها تلك العصابات القاتلة بحسب الهدف المراد تصفيته، وبعد تنفيذ جريمتهم ينتشر الرعب والخوف، والضحية شخص وطني يضاف إلى قائمة الشهداء التي لا نعرف متى ستتوقف في "العراق الديمقراطي".


والعراقيون، وعلى الرغم من مرارة الحال، يترقّبون زمن الانفراج ساعة ساعة؛ لأنّهم شعب حي، والشعوب الحية لا تعرف اليأس والقنوط، ومن ضمن هذه الأفراح القليلة التي يستعدّ العراقيون هذه الأيام للاحتفال بها، كما هو الحال في عموم العالم الإسلامي، هو عيد الأضحى المبارك، وهذه الفرحة ما زال يُنغّصها غربة الملايين من العراقيين في خارج البلاد، وأهلهم وأقربائهم مازالوا ينتظرون الفرج وساعة اللقاء ولمّ الشمل.


والحقيقة التي لا يعرفها الكثيرون من غير العراقيين، أنّ العراقيين لم يفرحوا بـ"عيد" منذ عام 2003، وحتى اليوم؛ لأنّ المصائب صُبّت عليهم من كل حدب وصوب، وهم، على الرغم من ذلك، صابرون محتسبون، يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف!


وصبر العراقيين هو الذي هزم القوى الشريرة، التي أرادت أن تقتل البراءة في نفوس الأطفال، والعفة في ضمائر النساء، والرجولة في سواعد الرجال، والحكمة في عقول الكبار، قوى ظلامية حاقدة على كل ما اسمه عراقي، وبدون خجل، ولا حياء، تقول، هذه القوى، أنّها جاءت لنشر الديمقراطية، ولجعل العراق نموذجاً يحتذى به في المنطقة، وهذه الأكاذيب أكل عليها الدهر وشرب.


محصلة الصبر العراقي قادت لهزيمة مدوية للدولة الأولى في العالم، الولايات المتحدة الأمريكية، وعليه قررت الدولة العظمى جرّ أذيال الخيبة والخسران، والانسحاب من العراق، وهذا الانتصار العراقي، هو فرحة العمر التي ينتظرها الأخيار من العراقيين، فرحة النصر وانهزام المحتل، الذي بدأت هزيمته في معارك الفلوجة، فلوجة البطولة والرجولة، وانتهت في أزمة "وول ستريت"، التي كشفت عن مديات الضرر الواضحة في اقتصاديات الدولة الأولى في العالم؛ جرّاء هزيمتها في العراق وأفغانستان.


هذه الفرحة الوطنية ستمتزج بفرحة العيد الذي سيمرّ على ملايين العراقيين وهم مشرّدون، تائهون، منهكون في أكثر من ثمانين دولة في العالم، لا يعرفون أين تتجه بهم الأقدار، يعانون من غربة الروح والعقل، وهم رغم الجراح والآهات سيفرحون، وينتظرون ساعة اللقاء بالأحبة على أرض العراق.


هذا النصر يقدّمه العراقيون هدية لكل من وقف معهم في محنتهم، من العرب والمسلمين، ولكل الدول التي فتحت أبوابها للملايين التي هربت من جحيم الديمقراطية بحثاً عن ملاذ آمن، وهو وسام عز وفخر على صدور شهداء العراق، الذين ضحّوا بأرواحهم من أجل هذه الساعة، وهو بلا شك نصر رباني مبارك للعراق وللأمة.


هذه الفرحة هي بداية المسيرة الصحيحة في العراق الجديد، والتي تتضمّن طرد أذناب المحتل الحاقد، والعمل بجد وإخلاص لبناء ما هدمه المحتل وأعوانه، وإعادة العراق إلى أحضان أمته العربية والإسلامية.






تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تجارة المناصب!

تناقضات!

الشرف السياسي!