أيها العيدُ ، كنْ سعيداً، وعُدْ لي





كنت في حيرة من أمري كيف اعبر عما يجول في خاطري من تناقضات بين فرحة العيد وألم الغربة، بين الحاضر والماضي، بين اليوم والأمس، وهكذا، وبينما كنت اقلب صفحات الموسوعة العالمية للأدب العربي، وجدت قصيدة بعنوان" أيها العيد كن سعيداً"، للشاعر الفلسطيني" خميس لطفي" حيث يقول في مطلعها:-
آسِفٌ! ، إنْ طرقتَ يا عيدُ بابي 
آيباً، بعد فترةٍ من غيابِ. 
فتعجَّبتَ من سلوكي كثيراً 
وتساءلتَ: 
ما جرى لي؟ وما بي؟ 
ولماذا أبدو حزيناً كئيباً 
غير مستبشرٍ بهذا الإيابِ. 
لم أقابلْكَ مثلما كنتَ ترجو.
والكلام بهذه الروحية الحزينة ليس من باب التشاؤم واليأس، بل هو على العكس من ذلك تماماً، هو من باب الأمل وحب الحياة وانتظار الغد، غد العراق الجميل، غد الأحبة ولقاؤهم في بلادنا المحتلة، هو الأمل بكل ما تحمل هذه الكلمة من إيحاءات تبعث الحب، والصبر للغد القادم.
العيد يعني الفرح يعني الناس والأهل والأحبة، يعني لمة الأهل ولقاء الأصدقاء وتناسي الزعل، وزرع الطيبة والوئام لعام جديد بين كل الأحباب.
لا تلوموني لو قلت لكم: إن تكبيرات العيد في وطني لها طعم آخر، وإن الخبز والماء والهواء لها طعم لم أذق مثله، لا تلوموني أرجوكم، فهذه فطرة الله التي فطر الناس عليها، حب الأوطان وحب المنبت الأول.
ست سنوات مضت بين الغربة والتهجير القسري والأنين والقهر، ست سنوات تخللها أكثر من اثني عشر عيداً بعيداً عن الأحبة، الله كم مرة تمنيت لو كانت روحي طيراً لتعبر الحدود بعيداً عن  نقاط التفتيش الطائفية، لتصل إلى قبر أمي، وأقول لها: أمي أنت اعز إنسان إلى قلبي، فحبك هو الحب الصادق الطاهر الذي لا يخالطه كذب ولا خداع، ولتصل إلى بيتنا الجميل ويمر بكل ركن من أركانه، ووو، أمنيات كبيرة وبعيدة، وهي في الحقيقة مجرد أحلام بعيدة عن الواقع بملايين الكيلومترات.
أيام تمضي شئنا أم أبينا، جميلة تمضي، تعيسة تمضي، وهكذا هي مسيرة الحياة، لا تتوقف، بموت فلان، ولا بحزنه أو بمرضه، بل هي الحياة الصامتة القاتلة، ونحن رغم ذلك متمسكون بها، نستقتل من اجل الحصول عليها، وهي نفسها التي نتقاتل من اجلها لا ترحمنا، وهي التي هجرت الملايين في إرجاء العالم من الفلسطينيين والعراقيين وغيرهم من الشعوب المضطهدة على وجه المعمورة.
ذهب العيد، وكأنه لم يأت، لأننا لا نشعر بالعيد بعيداً عن بلادنا، فالعيد هو اللقاء في أحضان الوطن.
آه يا بلادي الحبيبة، كم أنا مشتاق إليك، كم أنا متلهف للسير في شوارعك الجميلة، كم أنا متحرق للوقوف على ضفاف دجلة والفرات، وكم أنا مولع بحب ترابك وهوائك العليل، كم وكم وكم؟!!
كم من العراقيين أمثالي من الملايين المهجرة يحملون ذات اللوعة والحنين، فهم في يوم العيد يبكون لفراقك، ولا يمكنهم إخفاء أحزانهم، وتهاني العيد بينهم تختلف عن الآخرين، فكلهم يرددون" إن شاء الله العام القادم عيدنا في العراق".
الله!!! متى يأتي هذا العام القادم؟
لقد سئمنا الغربة، ومللنا هجران الأهل، وسلوة الأصدقاء، آه متى يأتي هذا العام القادم، لا نعرف؟!!
وهكذا نجد الشاعر خميس يقول بكل حسرة ومرارة في خاتمة قصيدته:-
أي عيدٍ؟ ولم نزل في لجوءٍ 
ونزوحٍ، وغربةٍ، واغترابِ؟ 
أي عيدٍ؟ بدون أهلي وصحبي 
وجبالي، وأبحُري، وهضابي؟ 
وانسحابِ المحتلِّ من كل أرضي 
أي عيدٍ هذا؟ بدون انسحابِ؟! 

*** 
أيها العيدُ، كنْ سعيداً، وعُدْ لي 
حينها، ألتقيك بالترحابِ!
صبراً يا بغداد، اصبري حتى نزداد يقيناً، اصبري فنحن بحاجة إلى كلمة تثبتنا على مصيبتنا، اصبري فهمنا وهمك واحد، وموعدنا مع الغد المشرق القريب، فنحن أمة حية لا تعرف اليأس والقنوط، وكلنا أمل أن الغد مشرق وجميل، وانه سيأتي قريباً.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تجارة المناصب!

تناقضات!

الشرف السياسي!