المرأة العراقية والإهمال الديمقراطي




المرأة هي الجزء الأهم والحيوي في حياة الأمة ونهضتها، فمن دونها لا يمكن أن يكون هنالك أجيال متحضرة، فهي الأم والمعلمة والطبيبة والممرضة، وهي الزوجة الحنونة والأم العطوفة والأخت الوفية، وهي نبع للطيب والسعادة.

وما كان عبثاً قول الشاعر حافظ إبراهيم رحمه الله حينما قال:

الأُمُّ مَدرَسَةٌ إِذا أَعدَدتَها

أَعدَدتَ شَعباً طَيِّبَ الأَعراقِ

الأُمُّ رَوضٌ إِن تَعَهَّدَهُ الحَيا

بِالرِيِّ أَورَقَ أَيَّما إيراقِ

الأُمُّ أُستاذُ الأَساتِذَةِ الأُلى

شَغَلَت مَآثِرُهُم مَدى الآفاقِ

وفي زمن الحروب، تكون المرأة الرقيقة -مع الأسف الشديد- الخاسر الأكبر، حيث تفقد ابنها وزوجها وأخاها، وتدفع ثمن ذلك من صحتها وجهدها؛ لأنها -وهي ذلك الكائن الرقيق- ستتحمل من متاعب الحياة وزفيرها ما لا تتحمله الجبال الرواسي، حيث تزف ابنها وزوجها وأخيها وأباها إلى مثواهم الأخير، وهي صابرة محتسبة.

الحرب القذرة التي شنتها أمريكا على العراقيين، والتي انتهت، كما يدعي ساسة المنطقة الخضراء، بتسليم "السيادة للعراقيين" عبر صناديق الانتخابات المسيسة، هذه الحرب جرت على العراق والعراقيين الويلات المدمرة التي سيعاني منها العراقيون إلى عقود قادمة، ومنها جيش من الأرامل، يعيش في زمن الإهمال الديمقراطي، وكل ذلك بفعل الإجرام الأمريكي والحكومي.

حكومة المالكي، وعلى لسان وزير العمل والشؤون الاجتماعية نصار الربيعي، كشفت بتاريخ 5/ 4/ 2011 عن وجود أكثر من ثلاثة ملايين امرأة تكافح مع أطفالها للبقاء على قيد الحياة في العراق، وذلك وفقا لإحصائيات وزارة التخطيط العراقية، فيما ذكرت (كارولين دوييه) مديرة برنامج (النساء والحرب) في بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر وجود أكثر من مليون أسرة في العراق تعيلها نساء، وأن ملاحظات اللجنة الدولية قادتهم إلى الاستنتاج المؤلم بأن غياب الموارد الكافية والمنتظمة على مدى السنوات الماضية ألقت بالكثير من العائلات في فقر مدقع.

من الواجبات التي ينبغي على الحكومات -أي حكومة في العالم- تنفيذها هو رعاية الأرامل والأيتام، خصوصاً تلك الحكومات التي جاءت على جثث أبناء جلدتها، وهو بالضبط ما يتمثل في الحكومات التي جاءت على جثث الملايين من العراقيين، لتتربع بعد ذلك في برجها العاجي المسمى المنطقة الخضراء، وليتنعموا بداخلها، بكل متع الحياة المشروعة وغير المشروعة، ولا يتنقلون، حتى داخل المنطقة الخضراء، إلا بسيارات مدرعة صنعت خصيصاً لهم، أما الملايين الذين يعيشون خارج حدود المنطقة الخضراء فهم في عالم آخر، عالم شعاره القتل الطائفي والإهمال المتعمد، والمليشيات الإجرامية التي تذبح وتعتقل باسم القانون، وتحت مسمى مكافحة الإرهاب. عالم تحكمه قوانين الغاب، والحكومة تطل عليه من برجها العاجي وتقول لهم: هنيئاً لكم هذه الديمقراطية التي لا مثيل لها في دول المنطقة؟!!

ومن أولى واجبات الحكومات الأمينة هو تأمين الحياة الحرة الكريمة للسكان، ومن ضمنها توفير لقمة العيش والماء الصالح للشرب والدواء، وهذه الضروريات مفقودة من قاموس أغلب العراقيين.

وفي يوم 22/ 2/ 2011، نظم المئات من الأيتام والأرامل تظاهرة وسط بغداد أشرفت عليها (18) منظمة إنسانية عراقية وأجنبية، طالبوا فيها حكومة المالكي "الناقصة" بإصدار تشريعات لتحسين أوضاعهم المعيشية والاجتماعية، واستعرضت خلالها إحدى الأرامل، وهي مسؤولة عن تربية خمسة أيتام، معاناتها بعد مقتل زوجها عام 2007، وكيف أن عائلتها الآن تعيش على مساعدة تقدمها منظمة إنسانية وراتب شهري بسيط عن عملها في إحدى المكتبات، كما وجهت سؤالا إلى الحكومة الحالية قائلة: كيف لي أن أطعم أطفالي؟ فهل العراق بحاجة إلى مساعدة المنظمات الإنسانية، وهو بلاد الخيرات المنتشرة في ربوعه؟ أم أن إرهاب الفساد المالي والإداري سيجعل العراق من أفقر دول المنطقة؟!!

سأصبر صبرا حتى أعلم أن الصبر ذاق المرّ من صبري، سأصبر صبرا حتى يعجز الصبر من صبري، سأصبر صبرا حتى يحكم الله في أمري. هذا هو شعار نساء العراق اليوم، وذلك لأنهن صرن على يقين بأنهن لا يمكن أن يحصلن على شيء من رجال العملية السياسية الذين لا هم لهم إلا شراء الفلل والعمارات وتضخيم أرصدتهم في البنوك العالمية، أما المساكين من العراقيين فهم لا بواكي لهم، بعد أن صارت المتاجرة بقضيتهم هي التجارة الرابحة والمورد الأول للكسب السحت بالنسبة لأغلب رجال العملية السياسية؟!!

Jasemj1967@yahoo.com

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تجارة المناصب!

تناقضات!

الشرف السياسي!