إرهاب الجوازات!



معلوم للجميع أن الأنظمة والقوانين تمنع السفر، أو التنقل الرسمي بين البلدان دون وثيقة رسمية، ثابتة أو مؤقتة للسفر، ولهذا فان أهمية وثيقة السفر، الجواز، كبيرة جداً بالنسبة للمستقرين خارج بلدانهم، أو الراغبين في السفر.
وفي العراق هناك اليوم جملة من القضايا الشائكة غير المسلط عليها الضوء إعلامياً، رغم أنها تمثل مأساة عوائل بأكملها، ومنها قضية تجديد جوازات السفر بالنسبة للعراقيين غير المؤيدين لسياسات الحكومة، أو الذين لا يجاملون، أو حتى أولئك الذين خدموا الدولة العراقية سابقاً ولا يملكون الآن أي ميول سياسية.
وسبق للبرلمان العراقي أن أقر في منتصف آب 2015 قانون جوازات السفر. والمادة -4- من القانون تذكر" على الموظف المختص إصدار جوازات السفر للعراقيين الموجودين خارج العراق، أو تجديدها، بصرف النظر عن أسباب وجودهم وفقاً لأحكام هذا القانون". 
فيما جاء في المادة ثانياً:" على وزير الداخلية سحب جواز السفر العراقي من العراقي الذي تثبت إدانته بجريمة إرهابية، أو بفعل ماسّ بأمن الدولة".
أما الأسباب الموجبة للقرار فهي " لضمان حرية التنقل وتماشياً مع النهج الديمقراطي الجديد شرع هذا القانون".
وقبل أيام قدمت  شبكة أحرار الرافدين لحقوق الإنسان مناشدة عاجلة إلى مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، الأمير (زيد بن رعد الحسين)، ومما جاء فيها "الجالية العراقية كبيرة في مختلف دول العالم منهم من الشخصيات التي كانت تحكم العراق، أو من أبناء المسؤولين والقادة العسكر الذين أصبح وجودهم غير مرحب به في العراق بعد عام 2003م، حيث تعرض الكثير منهم للقتل، أو الاختطاف، مما اضطرهم للهجرة وترك الديار مرغمين لا مخيرين، ثم اكتمل عليهم مسلسل الإيذاء والانتقام ليُحبسوا في منفاهم بعد رفض سفارات العراق المنتشرة في دول العالم تجديد جوازات سفرهم، أو إصدار أي وثيقة لهم ولأولادهم.
إننا نطالبكم بصفتكم الرسمية للتدخل من اجل الضغط على الحكومة العراقية لتجديد جوازاتهم ومنحهم وثائق سفر رسمية، أو أن تقوم الأمم المتحدة بتزويدهم بوثائق سفر تمنحهم حق السفر والتنقل بين الدول".
محاولة الضغط على المواطنين العراقيين عبر الجوازات لن تقود لترميم الأوضاع السياسية، ولا لخلق أجواء صحية للمراحل القادمة، وإنما هي بوابات لمزيد من الاحتقان السياسي والفكري والطائفي على مر الأجيال القادمة، لأن المواطن الذي لا يملك وثيقة سفر، ولا يجد دولة تعترف به، ولا يجد أسبابا منطقية لهذا المنع سيكون على يقين أن ذلك من الحقد السياسي الذي ينبغي على الدول أن تبتعد عنه، لأن الدولة ينبغي أن تكون بمثابة الخيمة الجامعة، والأم الرحيم وليس الجلاد المنتقم.
ورغم هذه المناشدات المستمرة سمعنا - مع الأسف- من احد الدبلوماسيين الحاليين صدور قوائم جديدة بالممنوعين من جوازات السفر فيها عناوين جديدة لشخصيات عسكرية وسياسية وإعلامية خدمت العراق في المراحل الماضية في خطوة يُفهم منها وجود نية للاستمرار في الخطأ، والإصرار عليه.
فهل هذا الأسلوب يمكن أن يضع العراق على طريق الخلاص والحرية والتطور؟!
وبالمناسبة فإننا هنا لا نتحدث عن المجرمين، ولا ندافع عنهم، ولا نطالب بمنح أي من ثبت تورطه بدم العراقيين أي وثيقة رسمية، وإنما نتحدث عن عراقيين كانوا بالأمس القريب من بناة الوطن، وبعد الاحتلال منهم من كان له رأي سياسي في مجمل ما جرى، فهل يُعاقب الإنسان على مواقفه السياسية؟
المنطق السياسي السليم يقول إن الدولة التي تعد نفسها جزءًا من المجتمع الدولي وتحترم مواثيقه وقوانينه يجب أن تمنح الجواز لمواطنيها حتى لو اختلفوا معها في الرؤى، أما معاقبة المواطنين على مواقفهم فهذا ضرب من الإرهاب الدبلوماسي يضاف لأنواع الإرهاب الرسمي الموجود في عراقنا.
نتمنى أن تنظر حكومة بغداد بعين العقل والمنطق والمصلحة الوطنية لآلاف العراقيين، الذين يعانون من هذه المعضلة التي ضاعفت عليهم غربتهم، ووضعتهم في مواقف صعبة.
الحكومات القوية هي التي تنظر للجميع من منظار المواطنة، ولا تساوم المخالفين لها على حقوقهم، ومنها جوازات السفر لأنها حقوق دستورية، لا ينبغي المساس بها.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تجارة المناصب!

تناقضات!

الشرف السياسي!