الدولة الخائفة!

                                        

لا شك أن لكل دولة من دول العالم توصيفا ملائما لوضعها؛ فهناك دول ديمقراطية ومستقلة وقوية وشجاعة، ومقابل ذلك هناك دول دكتاتورية ومحتلة وضعيفة وخائفة.
قبل أيام، طلب مني أحد الأصدقاء توصيف "الدولة العراقية" بعد مرحلة الغزو الأميركي وحتى اليوم. حينها وجدتني في حيرة من أمري؛ فلا هي دولة ديمقراطية، ولا ذات سيادة، ولا دولة قوية، ولا شجاعة، ولا دولة مواطنة. ولعلي وجدت أن أفضل توصيف للدولة في العراق اليوم هو "الدولة الخائفة"، وذلك للأسباب الآتية:
- الدولة العراقية الآن تتحرك وفقاً لمبدأ ردود الأفعال، ولم نلحظ لها وجوداً قوياً مهاباً في الشارع العراقي. والدول التي تعمل بردود الأفعال لا تمتلك أجهزة استخباراتية قوية، يمكنها أن تجهض غالبية المؤامرات في مهدها، وأن توقف الدمار قبل وقوعه. ولهذا، نحن أمام دولة مهمتها الأولى أن تتواجد في مكان الجريمة أو الحادث وكأنها منظومة دفاع مدني وليست دولة تتفهم مسؤولياتها، وأن أولى مهامها هو حماية أرواح المواطنين وممتلكاتهم.
- الدولة الشجاعة هي التي تمتلك الإمكانات الأخلاقية والمادية القادرة بموجبها على بسط وجودها وهيبتها في داخل الدولة وخارجها. واليوم، لا يمكن لأصدقاء الحكومة، بل حتى لوزرائها ومسؤوليها، أن ينكروا سحب المليشيات للبساط من تحت أقدام غالبية القطاعات الحيوية في البلاد، وبالذات القطاعات الأمنية والسياسية والقضائية، وهذه ظاهرة لا تبشر بخير للوطن.
رئيس الحكومة القائد العام للقوات المسلحة، حيدر العبادي، اعترف في نهاية أيار (مايو) الماضي، أن هناك في بغداد فقط أكثر من 100 مليشيا يمتلك عناصرها هويات ومقرات، وأن الحكومة ستعمل على إنهاء وجودها. 
ورغم تصريح العبادي، فإنه ما يزال عاجزاً عن القيام برد فعل يتم بموجبه تحجيم هذه المليشيات وإنهاء تواجدها العلني في الشارع البغدادي، والإعلام. وهي حتى الساعة مستمرة في تغولها وترويعها للمدنيين العزل. وهذا دليل على أن الدولة عاجزة، أو خائفة من بسط هيبتها أو سيطرتها، وإلا لو كانت الدولة شجاعة بما فيه الكفاية، لسعت إلى حفظ الأمن والنظام، وضربت بيد من حديد كل من تسول له نفسه أن يخدش كرامة العراقيين، فضلاً عن قتلهم واختطافهم والافتراء عليهم بتهم لا أساس لها، ثم بعد ذلك مقايضة ذويهم بمبالغ خيالية. وفي جميع هذه المراحل، تكون الدولة نائمة أو خائفة، ولا تريد أن تتدخل حتى لا تقع في مشاكل جديدة، بحسب قاعدة: "المشاكل التي أنا فيها تكفي"!
- وصلت درجة تدخل المليشيات في الشأن العام للدولة، درجة تهديد الأمين العام لمليشيا "أبو الفضل العباس" والقيادي في الحشد الشعبي اوس الخفاجي -ومن مكان انفجار الكرادة- بإعدام سجناء في سجن الناصرية المركزي. وقبل أسبوع تقريباً وصل الخفاجي إلى محافظة ذي قار بناء على "وعده" بتنفيذ أحكام الإعدام بـ"نفسه" في سجن الناصرية، إلا أنه "لم يفعل ذلك".
الطامة الكبرى أن الخفاجي استُقبل في سجن الناصرية المركزي استقبال القيادات الأمنية من قبل القادة الأمنيين في المحافظة الجنوبية. ومن هناك أكد أنه اتصل بوزير العدل الذي أكد له أنهم سيعدمون 45 سجيناً، وبحضور الخفاجي! فهل يعقل أن يتحكم زعيم مليشيا بالدولة بهذا العمق المخيف؟!
- في ذات اليوم؛ الثلاثاء الماضي، أقامت بعض سرايا الحشد الشعبي استعراضاً عسكرياً في منطقة الباب الشرقي وسط بغداد، بالتزامن مع الاستعراض العسكري الذي نفذته وزارة الدفاع، وأغلقت بسببه الطرق الرئيسة كافة في العاصمة! فهل هم دولة داخل الدولة، أم يريدون أن يقولوا إنهم قادرون على فعل أي شيء؟!
هكذا يتضح لنا أن الدولة الخائفة هي العاجزة عن نشر الأمن والنظام والسلام في ربوعها. وبذلك، لا يمكن للمواطنين أن ينظروا لها إلا بالمنظار السلبي. وهذا من أهم أسباب تدمير الدول وزوالها.
فهل نتدارك العراق قبل أن تبتلعه المليشيات، أم أن البلاد سائرة نحو المجهول؟!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تجارة المناصب!

تناقضات!

الشرف السياسي!