عيد وفتن!


منذ أكثر من 20 عيداً والعراقيون يحلمون أن تتبدل أحوالهم وأن يجدوا أنفسهم -كالغالبية العظمى من شعوب الأرض- يُعيدون ويفرحون ويعانقون أهلهم وأحبابهم في أيام العيد المباركات. لكن يبدو أن قدر العراقيين أن يظلوا في حالة من التعايش الإجباري مع الآهات والآلام والغربة والفتن. فأعياد العراقيين تمضي بلا أفراح، وسنوات عمرهم وأحلامهم تُدفن في خارج البلاد وداخلها، والجميع لا يعرفون متى تنتهي هذه المآسي!
اليوم -وقبل العيد بساعات- وبدلاً من زرع السلام والمحبة والأمن في ربوع العراق، لاحظنا أن البلاد اشتعلت بين تفجيرات إرهابية، وفلتان أمني مخيف، وعمليات عسكرية طاحنة في الفلوجة التي دُمّرت وهُجّر أهلها وضُيّع شبابها، وعمليات مماثلة على حدود الموصل التي ترتقب المأساة، والمصير المرعب ذاته.
كارثة الخروقات الأمنية، أو التفجيرات المدروسة بدقة وصلت لبغداد، التي غرقت قبل يومين بدماء أكثر من 400 مدني بين شهيد وجريح في منطقة الكرادة وسط العاصمة. ومع أمواج هذه النيران المتلاطمة، نلاحظ أن الحكومة تُهدد وتُندد وتتوعد ولا تغير أي شي، بل إن البلاد تزداد غرقاً في الظلام والنيران، وتضمحل فيها الأنوار في عموم أرجاء الوطن الجريح.
العراقيون -كبقية شعوب الأرض الإسلامية- كانوا ينتظرون العيد، لأنهم يعتقدون أنه يوم جديد يُضاف لأيام الإنسان الخالدة الجميلة المطرزة بالحب والورود والجمال والتلاقي. وهم يعتقدون أن العيد ليس يوماً عابراً، لأنه يوم التصالح مع النفس والآخرين والوطن. التصالح مع النفس بتأديبها على الصبر والجدية في العمل. والتصالح مع الآخرين بالعفو والتسامح والتعاون. والتصالح مع الوطن بمزيد من العطاء والعمل والتضحية.
يوم العيد مليء بالأسرار التي لا تنقضي. وهناك نسبة -ليست قليلة- من الناس يفهمون العيد -وبالذات عيد الفطر- على أنه يوم للأكل والشرب والتهاني ولبس الثياب الجديدة. وهذه المعاني موجودة فعلاً في العيد، ولكن في العراق الأمر مختلف. نحن العراقيين نريد عيداً خالياً من الطائفية والتناحر والشعارات المدمرة لوحدتنا، ونحلم بعيد لا صراخ فيه ولا أنين ولا حسرة، نريد عيداً ناصع البياض كقلوب العراقيين، وكصفاء مياه دجلة والفرات.
نتمنى أن نقابل عيداً بلا طائرات تدمر بيوتنا، وبلا صواريخ تنشر الموت في كل مكان، وبلا مليشيات همجية تنحر الأبرياء على الهوية، وبلا سيارات ملغمة تحرق الصغار والكبار!
العيد بالنسبة للعراقيين -ولغيرهم- يوم جديد لحياة خَلاَّقة مليئة بالأمل وخالية من القنوط. وهذا العيد المأمول لا يكون إلا بدولة وطنية رجالها يحبون البلاد ولا يتآمرون على أهلهم، حكومة من الشعب وتعمل لكل المواطنين، شعارها: حياتنا الحقيقية بخدمتكم.
العراقيون يأملون أن يجدوا أفعالاً حكومية تجعل حياتهم مليئة بالرفاهية والتطلع للمستقبل، والحلم بغد مشرق جميل كبقية شعوب الأرض. وأظن أن العراقيين -مع الأسف- غارقون في الوهم بتغير أحوالهم نحو الأفضل طالما بقيت هذه السياسات الطائفية الانتقامية هي التي تُسير الوطن، لأنه لا يمكن أن ننتظر الثمار من أرض جرداء، ولا المياه من بئر عقيمة، ولا الحياة من الأموات.
لنعمل كمواطنين معاً على محاربة الفساد والطائفية، لعلها تكون بداية التغيير الشامل لعراق مليء بالحب والعطاء والصدق.
وننقل هنا شكوى بثها الشاعر العراقي مصطفى جمال الدين في قصيدة رائعة قال فيها:
هذا هو العيدُ، أينَ الأهلُ والفرحُ 
ضاقتْ بهِ النَّفْسُ، أم أوْدَتْ به القُرَحُ؟!
وأينَ أحبابُنا ضاعتْ ملامحُهم 
مَنْ في البلاد بقي منهم، ومن نزحوا؟!
عيد العراقيين هو يوم العودة إلى ما كانوا عليه من سلام ووئام ومحبة، والعودة إلى ديارهم التي أُرغموا على هجرانها، والعمل على نبذ الأحقاد، ولبس ثياب التفاني والإخلاص والتسامح. فهل هذه المعاني موجودة اليوم في حياة العراقيين؟!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ملآذات كانت آمنة!

الأخوة "الأعداء"!

تناقضات!