بلاد المخاطر!



الإنسان بطبعه ميّال للأمن والأمان والطمأنينة، ويهرب من المخاطر الطبيعية وغير الطبيعية لأنها تنشر الخوف والرعب والعذاب والموت بين بني البشر.
ولهذا، حينما تطور مفهوم الدولة والنظام الاجتماعي للحياة الإنسانية، صار لزاماً على الدول أن تضع الاستراتيجيات التي تجعل مواطنيها بمأمن من المخاطر الطبيعية والأوبئة، كما من قطاع الطرق والمجرمين والإرهابيين.
وأظن أن الدول اليوم تتبارى في مضمار الأمن المجتمعي، والابتعاد عن معدلات المخاطر التي تُعد واحدة من أسباب انهيار حكومات وإسقاط أخرى. ولا أعتقد أن الدول التي صار فيها الموت والرعب والخراب والدمار أمراً مألوفاً، ومنها العراق، قد دخلت في هذا المضمار وكأن قدر العراقيين أنهم لا يعرفون طعم الأمن والسلام، وهم يهربون من كارثة ليجدوا أنفسهم في مصيبة أكبر منها!
العراقيون، منذ العام 2003 وحتى الساعة، يعيشون في كوابيس من الرعب المركب، فهم يشاهدون -في كل يوم- الرعب والمخاطر متناثرة أمامهم في كل مكان: جثث ملقاة على قارعة الطريق، اختطاف وسرقات منظمة، سيارات ملغمة تحيل أجساد الأبرياء إلى قطع من اللحم المتناثر، طائرات عراقية وأجنبية تدمر المنازل على رؤوس الأطفال والنساء والمرضى والشيوخ!
هذه الصور المرعبة هي التي جعلت مؤشر السلام العالمي التابع لمعهد الأبحاث العالمية للاقتصاد والسلام، يضع العراق في المرتبة الثالثة عالمياً بالنسبة للبلدان التي تعاني من الخراب الأمني. وقد حُدد مستوى السلام في الدولة على علامة من خمس درجات، كلما انخفضت قيمتها عبر ذلك عن بلد أكثر سلاماً وهدوءاً.
مؤشر السلام العالمي الصادر في الثامن من حزيران (يونيو) الحالي، ميّز الدول المختلفة تبعاً لـ23 مؤشراً للسلام، تحت ثلاث فئات: مستوى الأمن والسلام في المجتمع، والصراع الداخلي والدولي، وعسكرة الدولة.
العراق الذي احتل المركز الثالث جاء بعد كل من سورية وجنوب السودان. إذ حصلت سورية على درجة سلام 3.806 من أصل خمس درجات، بينما حصل جنوب السودان على 3.593، وحصل العراق على درجة 3.57. وأظن أن التقرير كان منصفًا بالنسبة لسورية، لكنه غير دقيق في تقييمه للحالة العراقية، وإلا كيف يمكن تفهم أن جنوب السودان أسوأ من العراق الذي تحكمه المليشيات والغارق بالإرهاب والدم؟!
آخر صور الإرهاب في العراق ما شاهده العالم من صور مخيفة ومخجلة لجرائم الحشود الشعبية وهي تقتل وتنتهك إنسانية أهالي الفلوجة وكرامتهم بعد خروجهم الاضطراري من مدينتهم. 
هذه الحقائق أكدتها منظمات عالمية محايدة. وقد تحدث المفوض السامي لحقوق الإنسان لدى الأمم المتحدة، الأمير زيد بن رعد، عن "تقارير موثقة ومزعجة للغاية تفيد بأن بعض الناس الذين نجوا من تجربة الهروب المرعبة من "داعش"، واجهوا اعتداءات جسدية شديدة بمجرد وصولهم إلى الجانب الآخر. وهناك حالات من الاعتداءات الجسدية وغيرها من أنواع سوء المعاملة لانتزاع اعترافات قسرية".
وهذه الانتهاكات أكدها أيضا شركاء الحكومة في العملية السياسية، ومنهم محافظ الأنبار صهيب الراوي، الذي أعلن النتائج التي توصلت إليها لجنة التحقيق التي شكلتها المحافظة للكشف عن انتهاكات "الحشد الشعبي" بحق أهالي الفلوجة، فتحدث عن "مقتل 49 شخصاً، وفقدان 643 من المدنيين لم يُعرَف مصيرهم وأماكن احتجازهم حتى الآن"!
هذه المخاوف، وهذا الرعب الرسمي العلني، ينبغي أن ينتهيا، لأن الدول النظيفة تُبنى على أسس السلام والأمن والقانون والنظام، لا على أنقاض الحروب والخوف والفوضى والعبثية.
واستمرار هذه المخاطر والمخاوف أوصل رسائل مليئة بالدم، ومغلفة بالرعب لغالبية العراقيين المهجرين في الداخل والخارج!
فهل ستتغير حال العراق، ونجد حكومة تمثل الجميع، أم ستبقى بلاد الرافدين، بلاد المخاطر؟!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ملآذات كانت آمنة!

الأخوة "الأعداء"!

تناقضات!