إعدام صدام.. واعتذار بلير!




الحرب الدولية على العراق العام 2003، والتي انتهت باحتلال البلاد وإخراجها من المعادلة السياسية، حركت المياه الساكنة، وهيجت البحار الصامتة، وصار الجميع يجزمون بأن جميع كوارث المنطقة لم تكن لتقع لولا ذلك الاحتلال الهمجي غير المبرر لبلاد الرافدين.
واحتلال العراق لا يُذكر إلا ويذكر معه الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، لأنهما خططا ونفذا الحرب على العراق، وحشدا العالم لتغيير "نظام صدام حسين كونه يمثل خطراً على المنطقة". وكلا الرجلين لم يتوقفا طيلة فترة حكمهما -وحتى بعد خروجهما من اللعبة السياسية- عن التصريحات الهادفة إلى الدفاع عن نفسيهما بخصوص مسؤوليتهما عن الأضرار البشرية والمادية التي لحقت بالعراق.
واليوم، هناك ضجة إعلامية وشعبية جديدة في بريطانيا والعديد من دول العالم، بسبب التصريحات الخطيرة التي أدلى بها بلير قبل أيام، واعتذر فيها في لقاء متلفز مع شبكة "سي. إن. إن" عن السياسة التي انتهجها خلال غزو العراق، إذ قال: "اعتذر عن المعلومات الاستخباراتية الخاطئة التي تلقيناها بشأن العراق. كما أعتذر عن السياسة التي انتهجناها خلال الغزو، وعدم أخذنا بالحسبان أهمية التخطيط جيداً لمرحلة ما بعد سقوط صدام".
وحينما نحاول الرجوع إلى الوراء قليلاً، نجد العجب في تصريحات بلير السابقة، وجميعها تؤكد الإصرار على ضرب العراق. ففي 11 كانون الأول (ديسمبر) 2009، أكد في مقابلة مع محطة "بي. بي. سي. 1" البريطانية، أنه: "كان سيقحم بلاده في الحرب ضد العراق العام 2003، حتى وإن كان يعلم أن نظام صدام حسين لا يمتلك أسلحة دمار شامل"، وأن "فكرة كونه يمثل خطراً على المنطقة، هي التي جعلته يميل لتأييد غزو العراق"! وهذا إقرار صريح بالاندفاع وراء الغزو في كل الأحوال. وكما يقال في علم الجريمة: الإقرار سيد الأدلة، ونحن هنا أمام جريمة تامة بعناصرها مع سبق الإصرار والترصد!
حجة بلير وغيره فندتها لجنة التفتيش الدولية. ففي 15 كانون الأول (ديسمبر) 2009، أكد هانس بليكس، المفتش الدولي السابق عن أسلحة الدمار الشامل في العراق، لصحيفة "الغارديان" البريطانية، أن "حديث الولايات المتحدة وبريطانيا عن أسلحة دمار شامل لدى العراق لم يكن إلا ذريعة لغزو العراق"! وسبق أن نوهنا إلى أن الولايات المتحدة دعمت حكم الإعدام الصادر ضد الرئيس صدام حسين بتهمة قتل العشرات من أهالي الدجيل، وعليه، فإن الرئيسين بوش الابن وبلير وغيرهما، ينبغي أن يحاكموا أيضاً على اعتبار أنهم قتلوا وهجروا وظلموا الملايين -وليس العشرات- ودمروا البنى التحتية والفوقية للعراق!
وطبقاً للقانون الدولي، فإن العراقيين يمكنهم ملاحقة كل من اشترك في الحرب ضدهم، باعتبارهم حركات تحرر، اعترف بها القانون الدولي، وتنطبق عليها اتفاقيات جنيف الأربع للعام 1949، والبرتوكولين الإضافيين للعام 1977، سواء بإنشاء محكمة وطنية، أو طلب المحكمة الجنائية الدولية ذلك بعد التصديق على نظامها الأساسي، أو الطلب من مجلس الأمن إنشاء محكمة دولية على غرار المحكمتين الخاصتين بيوغوسلافيا ورواندا. وإذا اصطدم الطلب بالفيتو، فيمكن العودة إلى الجمعية العامة (الاتحاد من أجل السلام)، ليصدر قراراً بإنشاء محكمة دولية.
العراقيون لن يتركوا من قتلهم وهجرهم وتسبب بكل هذه الكوارث بحقهم من دون تقديمهم لمحاكم عادلة! لكن السؤال الملح هنا: هل ستجد العدالة طريقها لإنصاف العراقيين، أم أن سياسة المصالح ستدفن حقوق المظلومين كما دفنت ذويهم في زمن الصمت والحقوق المسلوبة؟!
ومن الملائم هنا أن أذكر قولاً للفيلسوف الفرنسي ألبير كامو في كتابه "الإنسان المتمرد": "ثمة جرائم ترتكب بدافع الهوى، وأخرى استناداً إلى محاكمات عقلية. إن مجموعة القوانين الجزائية تميز بينهما تميزاً ملائماً إلى حد كاف استناداً إلى مبدأ سبق التصور والتصميم، وإنا لفي زمان سبق التصور والتصميم، في زمان الجريمة الكاملة، فلم يعد مجرمونا هؤلاء الأطفال العزل يتذرعون بالحب. إنهم بالعكس راشدون، ولا سبيل إلى دحض ذريعتهم: الفلسفة التي تُستخدم لكل شيء؛ حتى لتحويل القتلة إلى قضاة"!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تجارة المناصب!

تناقضات!

الشرف السياسي!