الشرف السياسي!



سبق للكاتب الهولندي بيتر أولستون أن ألف كتاباً عن "الشرف في الفلسفة السياسية والأخلاقية"، أكد فيه أن "الشرف له مظهر داخلي، أي نوع من الرغبة ليكون المرء فرداً فاضلاً وشريفاً بذاته، وعدم التقدير الكافي للقيمة الأخلاقية للمظهر الخارجي للشرف، أي الرغبة بالقيام بما هو صحيح في عيون الآخرين لأجل أن يُرى الفرد ويُقيَّم من جانب الآخرين كفرد فاضل وشريف".
اليوم، صارت إشكالية الحديث عن "الشرف السياسي" في إطار العملية السياسية في العراق واحدة من صور التناقض المستمرة في تلك البلاد التي صار السارِق فيها يتحدث عن محاسبة السرّاق، والقاتل يدعو لملاحقة القتلة والمجرمين والإرهابيين، والمتطرفون يتحدثون عن الوسطية والاعتدال، ومرتكبو جرائم التهجير والنهب والسلب يتكلمون عن التعايش. وجميع هؤلاء يتحدثون عن الشرف والقيم والمبادئ، وضرورة حماية الثروات العامة والخاصة.
وبمناسبة الحديث عن "الشرف السياسي"، نستذكر هنا "وثيقة الشرف الوطني" التي وقعت في نهاية آب (أغسطس) 2013، من قبل الرئاسات الثلاث والقوى السياسية الرئيسة، إذ اتفقوا على "خريطة طريق لحل مشاكل ومعوقات العملية السياسية، وحرمة الدم، والحفاظ على الهوية الوطنية، ونبذ الإرهاب والتطرف، وحماية النسيج الوطني، وعدم السماح للأجندات الخارجية بتنفيذ مخططاتها في البلاد، وتقديم الخدمات للمواطن، وإجراء إصلاحات اجتماعية وسياسية للحفاظ على مكتسبات العملية السياسية".
هذه المفاهيم العليا لم نر لها وجوداً في حيثيات العمل السياسي، بل على النقيض من ذلك، وجدنا استمرار القتل والترهيب والتخريب والنهب والسلب والتهجير وإثارة الفتن الداخلية والخارجية.
وهنا نريد أن نعرف، هل هم أقسموا على تنفيذ وثيقة الشرف أم أقسموا على مخالفتها؟ اليوم، وصل الصراع السياسي درجات الخراب شبه التام بين بعض الكتل والأحزاب، وصارت سرقات المال العام هي الميزة الأبرز لغالبية السياسيين وأتباعهم، الذين زرعوا فتنة التناحر الديني والمذهبي والعرقي بين المواطنين، وتَحَوَّلَت غالبية الخطب الدينية والسياسية من أتباعهم نبعاً لرفد فتيل الفتن المتنوعة، وعلى مرأى ومسمع الحكومة وإعلامها، وأضحت وسائل إعلامهم منابر للدعوة للحقد والانتقام والتخريب، وأمست النقمة الشعبية من سوء الخدمات هي الصرخة المتوالية في عموم البلاد، هذا فضلاً عن تطبيق سياسة الصمت التام تجاه التدخل الخارجي في الشأن الداخلي، والمشاركات العلنية لبعض الدول والأحزاب المساندة لها من خارج العراق في إدارة الملفات العسكرية والسياسية والاقتصادية.
وقبل أيام، وضمن ملفات الضغط البرلماني على المشاركين في العملية السياسية، قدم وزير الخارجية هوشيار زيباري إفادته أمام البرلمان الذي لم يقتنع بردوده. وأظن أن زيباري لن يلقى المصير ذاته الذي لقيه زميله خالد العبيدي (الإقالة)، لأن الأكراد لديهم خطوط حمراء، ويمكن أن يقلبوا طاولة العملية السياسية إن تمت إقالة زيباري من دون موافقتهم، أو من دون صفقة جديدة مع حكومة بغداد.
وبعد تصويت البرلمان على عدم قناعته بردود الوزير، قال زيباري في مقابلة تلفزيونية إن هناك شخصا واحدا قام بتحويل ستة مليارات و455 مليون دولار، من خلال تقديم أوراق ووثائق مزورة وشراء دولارات من البنك المركزي العراقي. ثم عاد ليقول إن هذا الشخص هو حمد الموسوي، المرشح عن ائتلاف "دولة القانون" الحاكم، والتابع لحزب الدعوة. فهل يعقل أن شخصاً واحداً لديه القدرة على تهريب هذه الأموال الضخمة التي تعادل موازنة بعض الدول؟ وأين الشعارات -المليئة بالشرف- التي يُنادي بها حكام البلاد؟!
المعنى الحقيقي للشرف ليس في الحديث عن القيم والمبادئ، وإنما في تطبيق هذه المُثل العليا عبر تصرفات منتجة خادمة للوطن والمواطن. الشرف السياسي يكون بالإنجازات التي تشهد للسياسيين بالعمل الدؤوب والتفاني والإخلاص. وحكم البلاد عبر شعارات الشرف المزيفة أمر غير منتج، ولا ينطلي على الجماهير. والحكم الوطني الحقيقي ينبغي أن يوائم بين الشعارات المرفوعة والعمل، لأن العمل هو المقياس الحقيقي للشرف الوطني، ولا يمكن للشعارات أن تكون بديلاً من الإنجازات.
فما هي الانجازات التي حققتموها للعراقيين يا أصحاب الشعارات المليئة بالتقوى والنزاهة والشرف؟!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ملآذات كانت آمنة!

الأخوة "الأعداء"!

تناقضات!