ضمائر وسط الركام!


الضمير هو الرقيب الفعّال الذي لا يمكن للإنسان خداعه، لأنه هو الفيصل بين حياة القلوب والعقول والقيم والمبادئ، وبين موتها.
والضمير كالإنسان؛ إما حي أو ميت. والضمائر الحية هي التي أبقت مساحة واسعة للمبادئ والقيم والحب والخير والإنسانية. أما الضمائر الميتة، فهي تلك التي لا مكان للحياة المبدئية فيها، والتي سيطرت عليها ظلمات الجشع والطمع وكراهية الآخرين.
موت الضمير يعني امتلاك القدرات على فعل كل ما يخالف المبادئ الإنسانية؛ من قتل، وتهجير، ونهب، وسلب، ودعاوى كيدية، وتزوير، وغش، واستغلال الوظيفة العامة، وافتعال الحوادث، وغيرها الكثير من الكوارث التي يُراد منها إلحاق الأذى بالآخرين، أو طمس الحقائق، وكل ذلك من أجل المصالح الخاصة المنحرفة.
والفساد في العراق بعد العام 2003، قتل ضمائر المئات من السياسيين والتجار والمقاولين والقضاة والمحامين، وغيرهم الكثير من أصحاب الوظائف العامة وغير العامة.
موت الضمير هو الذي دفع الأشرار إلى حرق الأطفال وهم أحياء في مستشفى اليرموك ببغداد. في تلك اللحظة التي فارق الضمير الحياة، تفحمت تلك الأجساد الغضة للأطفال الخدج، وكأن من قتلهم ليس فقط ميت الضمير، بل لا يملك ذرة من الرجولة والإنسانية والرحمة.
نيران الضمائر الميتة التهمت أجساد 13 طفلاً في قسم الخدج، قبل عشرة أيام تقريباً، وأصابت سبعة آخرين، وأكثر من أربعين امرأة،، بشهادة وزارة الصحة العراقية، التي قال المتحدث باسمها "إن الحريق كان متعمداً"، و"إن نتائج تقرير أكدت وجود آثار مادة بترولية (بنزين) تُسعر الحريق". بينما أشارت ترجيحات سابقة إلى أن" الحريق اندلع نتيجة عطل كهربائي"! وهذا ما قيل عن عشرات الحوادث، ومنها حرائق وزارات النفط والداخلية والكهرباء والصناعة، والبنك المركزي، ومخازن وزارة التجارة، وغيرها العشرات من الحرائق التي طالت أقسام العقود في الغالب. وهذا يعني أن من رجح أنها "نتيجة تماس كهربائي"، هو من المتواطئين مع المنفذين. وهذا يؤكد أن غالبية هذه الحرائق -إن لم تكن جميعها- هي بفعل فاعل، والدليل أنهم قالوا بداية عن حريق المستشفى إنه "اندلع نتيجة عطل كهربائي"، ثم تبين أنه بفعل فاعل!
إن من أهم أسباب موت الضمير:
- انعدام اليقين بوجود عقاب وجزاء دنيوي وأخروي.
- الضعف الإداري الحكومي، واستغلال المناصب الرسمية، عبر مشاركة كبار مسؤولين في غالبية عمليات الفساد.
- طغيان الجشع المادي لدرجات لا يمكن معها إلا السعي إلى تحصيل الشهوات بشتى السبل المشروعة وغير المشروعة.
واليوم نلاحظ موت الضمير في العديد من المشاهد، ومنها:
- تفجير السيارات الملغمة والعبوات الناسفة في الأسواق والأماكن العامة، وقتل الأبرياء بلا ذنب، ثم إلصاق التهم ببعض "الأبرياء"، لتحقيق مكاسب سياسية أو مادية عبر صور الابتزاز التي لا يمكن حصرها.
- تسمية الأشياء بغير أسمائها؛ فيصبح المجرم بريئاً والقاتل بطلاً، لدرجة إعدام المجانين بدلاً عن المجرمين الحقيقيين، بعد أن يتم القبض على المجانين من الشوارع، وفي الوقت ذاته يُطلق سراح "المجرم المتنفذ".
- انتشار المحسوبية والرشاوى في غالبية الدوائر الحكومية، وكأن من يمتلك المنصب العام هو مالك الدولة، وهذا يدفعهم للتغطية على ملفات الخراب المختلفة.
- الوقوف مع الظالمين والتصفيق لهم والسعي إلى إرضائهم لتحقيق مكاسب سياسية وشخصية.
إن موت الضمير لا يسبب أذى لصاحبه فقط، بل آثاره تسري في عموم جسد المجتمع؛ لأن الضمير الميت آفة قاتلة فتاكة تماماً كالإرهاب. ولهذا، فإن إحياء الضمير يُعد من المطالب الضرورية لإعادة إنعاش البلاد.
والبلدان المتقدمة هي التي يمتلك زعماؤها ومواطنوها ضمائر حية فاعلة، والبلاد المتخلفة هي التي ينتشر فيها القتل والإرهاب، وهي التي أُصيبت بنكبة موت الضمير لدى نسبة ليست قليلة ممن يمتلكون مناصب رسمية مؤثرة في الحياة الإنسانية العامة.
فهل وصل العراق إلى مرحلة موت الضمير الشامل في الحياة السياسية، أم أن للقصة بقية؟!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تناقضات!

من ذكريات معركة الفلوجة الاولى

الكرد والنظام التوافقي في العراق!