سجن الباستيل العراقي!


الباستيل سجن فرنسي أُنشئ في العام 1370، وكان مخصصاً لسجن المعارضين السياسيين والمحرضين ضد الدولة. وقد أصبح على مدار العهود رمزاً للطغيان والظلم، وانطلقت منه الشرارة الأولى للثورة الفرنسية في 14 تموز (يوليو) 1789.
وفي 10 كانون الأول (ديسمبر) من كل عام، يحتفل المجتمع العالمي بيوم حقوق الإنسان، وهو اليوم الذي اعتمدت فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 1948 الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
وحقوق الإنسان كلمة جامعة لكل معاني الكرامة والرقي الإنساني. وهذه الكلمة السامية تستحق من البشرية التضحية من أجلها لاستمرار حياتهم بكرامة وسعادة. لكن تلك الحقوق صرنا نسمع بها في الكتابات والمؤتمرات والندوات، فيما هي مغيبة من الواقع في العديد من دول العالم.
الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أكد في المادة الثانية منه على أن: "لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات، دون تمييز بسبب العنصر أو الدين أو الرأي السياسي".
ولا شك أن مقارنة هذه الحقوق بالواقع العراقي اليوم، يجعلنا نجزم أن تلك الحقوق نُهبت ونُحرت تماماً كما دُمرت البلاد وخُربت.
حقوق الإنسان العراقي غابت في غالبية مرافق الحياة. وأظن أن الأحرار الطلقاء أقدر على التحكم بحياتهم من السجناء، الذين باتت سجونهم مشابهة لسجن الباستيل. وهذا الكلام ينطبق على سجون أبو غريب والناصرية والكاظمية وغيرها من أماكن الاعتقال التي يعاني فيها النزلاء من أبشع صور التعذيب والإذلال والتحقير.
سجن الناصرية المركزي؛ هذا المعتقل المخيف، ليس معتقلاً لقضاء الأحكام القضائية فحسب، لكنه مكان للتعذيب اليومي على يد المليشيات الإجرامية التي تدير هذا السجن المرعب.
في سجن الباستيل العراقي في الناصرية -الذي يقع في قلب صحراء المدينة- ترتكب أبشع أنواع الجرائم -الموثقة من مراكز حقوقية معتبرة- ومنها:
- التعذيب المستمر للسجناء. وتتنوع أساليب تعذيبهم بدءاً من التعذيب الجسدي، حتى المكابدة النفسية المتمثلة في الحرمان من النوم، والشتم والتهجم على الرموز الدينية والعشائرية.
- اغتصاب غالبية المعتقلين، وذلك في سياسة مدروسة تهدف إلى كسر معنوياتهم وازْدرائهم.
- اكتظاظ أعداد السجناء. إذ إن القدرة الاستيعابية للسجن هي 1750 معتقلاً، بينما يتواجد فيه حالياً أكثر من سبعة آلاف معتقل، ما تسبب بانتشار الأمراض النفسية لقلة ساعات النوم والازدحام. 
- ضعف الاهتمام العام بغذاء السجناء. فيعاني غالبيتهم من النُحُول وفقر الدم نتيجة لرداءة الحصة الغذائية المقدمة لهم، وشح المياه المستخدمة للشرب والاستحمام.
- الإهمال الصحي على الرغم من أن غالبية السجناء يعانون من الأمراض المزمنة، والعاهات والآلام التي لحقت بهم نتيجة التعذيب المستمر داخل السجن.
- التضييق في الزيارات الشخصية وعددها؛ إذ إن لكل معتقل زيارة واحدة شهرياً. وكذلك التشديد على ذوي السجناء أثناء الزيارات، مما زاد من معاناتهم المتمثلة في صعوبة الوصول لمدينة الناصرية الجنوبية، والإجراءات الإدارية المجحفة أثناء الزيارة.
- غياب الرقابة الحكومية والبرلمانية على إدارة السجن، ومنع زيارات النواب للسجن. وهذا ما أكده العديد منهم.
هذه الأسباب وغيرها جعلت غالبية السجناء يتمنون الموت بدلاً من حياة الذل والهوان والقهر التي تمارسها إدارة السجن بحقهم!
الحل الأمثل لكارثة السجون العراقية هو تنظيم زيارات شهرية من لجنتي الهلال الأحمر والصليب الأحمر الدوليتين، لضمان إيقاف التعذيب والتغييب، ورفع مستوى حقوق السجناء الذين وقعوا ضحية سياسات الظلم الطائفي والقانوني.
إن استمرار الاستخفاف بحقوق الإنسان سيجعل من السجون دوائر لزرع الحقد والكراهية بين المواطنين، وليست دوائر إصلاحية. وهذه الحال لا يمكن أن تجعل القطار العراقي يسير على السكة الصحيحة.
شيوع ثقافة حقوق الإنسان باتت من المطالب الجوهرية الواجب تعليمها للمسؤولين، ولجميع منتسبي الدوائر الأمنية التي صارت ملعباً للحاقدين على المواطنين بحجة تطبيق النظام ومكافحة الإرهاب!
صور التشابه بين الباستيل العراقي والفرنسي يمكن أن تجعل من سجن الناصرية الشرارة التي ستُنهي الظلم والظلام، بعد أن أصبحت البلاد عبارة عن معتقل كبير لكل من يعارض السياسات القمعية والمليشياوية في الوطن.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تجارة المناصب!

تناقضات!

الشرف السياسي!