وطن الظلمات!


أيها الوطن الموشح بالرعب والإرهاب، يا من تلعب بربوعك عصابات الاختطاف والقتل والجريمة المنظمة، يا من لا يعرف غالبية أهلك إلا التفكير بالهجرة من هول الأحداث الجسام التي تنهمر عليهم! يا عراق الخوف، الناس فيك حيارى من هول الخراب المادي والفكري المحيط بهم، وصارت النتيجة الطبيعية للخلاص هي محاولات، بل مغامرات أهلك للهروب -رغم المخاطر والمصاعب التي تغلف هذه الرحلات- نحو المجهول شرقاً وغرباً، لعلهم يجدون مكاناً ينعم بالأمن والسلام.
وسط هذه الأمواج المتلاطمة، فجر النائب عباس البياتي قنبلة إعلامية، حينما طالب السلطات الألمانية بـ"إعادة المهاجرين العراقيين لعدم أخذهم إذن السلطات العراقية في المغادرة"!
تخبّطات سياسية وإعلامية في عموم الملفات، تزيد من عتمة المشاهد القاتمة في بلاد كتب عليها أن تعيش في الظلام المادي والمعنوي والروحي. ظلمات لا تقل عتمة ورعباً عن قصة الطفل السوري الذي رمته أمواج البحر المتصارعة على الشواطئ التركية جثة هامدة قبل أيام، بعد أن حاول أهله الهروب نحو المجهول!
صورة هزت ضمائر الشرفاء في العالم، وأكدت نكبة حقيقية لا يمكن أن توصف إلا بأنها بعض ثمن الحرية التي يناضل من أجلها السوريون.
فجيعة هذا الطفل السوري تقع منذ سنوات في العراق، لكن بأشكال وصور مختلفة، وهي مستمرة في كل يوم. ففي نهاية الأسبوع الماضي، وفي منطقة جيكور بالبصرة الجنوبية، عُثر على جثة الطفل "كرار" (ست سنوات)، بعد يوم من اختطافه من أمام دكان والده، وعلى جثته آثار تعذيب في مناطق مختلفة من جسده الرقيق!
الأسبوع الماضي أيضا كان أسبوعاً حافلاً بالجرائم. إذ شهدت بغداد، منتصف الأسبوع، جريمة مؤلمة في وضح النهار. الحادثة وقعت في تمام الساعة الثانية ظهراً، حيث تم اختطاف رجل كان مع زوجته -أمام أعين الناس وبعض أفراد الشرطة في ساحة هدى عماش- وأجبر على الترجل من سيارته الخاصة، والركوب في إحدى سيارات الخاطفين -الرباعية الدفع والمظللة، وغير الحاملة للوحات تسجيل- ثم لاذ أفراد العصابة بالفرار إلى جهة مجهولة، وبقيت زوجته المسكينة تستغيث وتصرخ، ولكن لا حياة لمن تنادي
وفي اليوم ذاته، أكد نائب رئيس الوزراء التركي نعمان قورتلموش، أن 18 عاملاً تركياً في شركة للأشغال العامة خطفوا شرقي بغداد. وهذه الجريمة أكدها العميد سعد معن المتحدث باسم قيادة العمليات، الذي بيّن أن "عناصر الجماعة المسلحة الخاطفة، كانوا يرتدون الزي العسكري، ويستقلون سيارات دفع رباعي". 
مجلس محافظة بغداد بدوره أكد أن العاصمة تشهد نحو 35 حادثة قتل وخطف أسبوعياً، وهناك عصابات منظمة تتحدى الحكومة، وتنفذ هذه الجرائم، وتتم عملياتها بصفات رسمية وسيارات حكومية. وهذا الكلام عن الحالات المسجلة لدى الأجهزة الأمنية فقط، وهناك عشرات الحالات الأخرى التي لم تسجل.
وبحسب تصريحات مجلس محافظة بغداد، يكون أن ما لا يقل عن 140 مواطناً يُختطفون ويقتلون في العاصمة شهريا، عدا بقية المحافظات. وهذه الإحصاءات المرعبة، للجرائم المسجلة فقط، ينبغي التوقف عندها طويلاً في ظل انتشار الجريمة المنظمة في البلاد!
في ضوء هذا الارتباك الواضح في مجمل الملفات المركبة، صار السلام أو الأمن في أرض الرافدين ضرباً من الخيال. فبعد أن أكد معهد الاقتصاد والسلام، في بياناته عن مؤشر السلام العالمي للعام 2015، والذي يصنف 162 دولة في جميع أنحاء العالم بناء على مستوى الجريمة، ودرجة العسكرة، أن العراق في مقدمة الدول التي لا تعرف الأمن وتنتشر على أراضيها عصابات الجريمة المنظمة، صار الرعب والخوف والقلق من المستقبل هي السمات الأبرز في حياة العراقيين!
الواقع المرعب، والتأكيدات الدولية والحكومية على انتشار الجريمة، جعلت دوائر الجوازات العراقية تزدحم بعشرات الآلاف من المواطنين، ومنهم فئات الشباب الذين يريدون الهجرة نحو المجهول لعلهم يجدون متنفساً من المأزق الأمني الذي أنهكهم في ظل انتشار عصابات الجريمة المنظمة والعصابات الرسمية!
فهل الهروب نحو المجهول هو جزء من الحل، أم جزء من المشكلة العراقية المركبة؟

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تناقضات!

من ذكريات معركة الفلوجة الاولى

الكرد والنظام التوافقي في العراق!