النوم بشرف في أحضان الأرض




مواقفنا – كيفما تكون– ستكتب علينا، وستبقى المواقف المشرفة تملأ الدنيا بضيائها وضجيجها، الذي يقلق الضمائر الميتة، والقلوب القاسية؛ لأن أصحاب المواقف المشرفة اختاروا الطريق العسير؛ من أجل خدمة بلدهم وقضايا أمتهم.
المعارك بين الخير والشر، والحق والباطل، والصحيح والخطأ مستمرة منذ أن قتل قابيل أخاه هابيل، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهي جزء من الحقائق، التي نلمسها في كل لحظة في كافة مجالات الحياة السياسية، والاجتماعية، الأخلاقية؛ وذلك لأن لكل إنسان نظرته الصحيحة، أو الخاطئة لمجمل الأحداث والقضايا المحيطة به؛ وبالتالي فإن الموقف الصحيح يبقى واضحاً وجلياً كالشمس في رابعة النهار، ومها علا الباطل، أو تنمرد فإنه في نهاية المطاف إلى زوال.
العراقيون اختلفوا في مواقفهم فيما يتعلق بمجمل الأحداث المحيطة بهم منذ احتلال بلادهم حتى هذه اللحظة، لكن أصحاب المواقف المتميزة ستكتب أسماؤهم بماء الذهب، وهؤلاء هم جزء من المشهد العراقي الحالي المليء بالأبطال والكرماء مثلما هو مليء بالخونة والعملاء.
المواقف الراقية ستبقى في ذاكرة الإنسانية حتى بعد أن يتجرع أحدنا كأس الموت، الذي لا يستثني إلا الحي الذي لا يموت.
في ظل هذه الحياة المتلاطمة الأمواج بالأحداث الجسام، التي يشيب من هولها الغلمان نجد أن فقدان بعض الأحبة يحز الروح ويدمي المقل، وكل ذلك؛ لأن هؤلاء، الذين نفقدهم هم من الفريق المتميز، فريق الأبطال والكرماء.
حقيقة كم هي صعبة أن تفقد صديقاً، أو أخاً، أو رفيقاً في زمن الغربة والضياع، قبل يومين وحينما فتحت موقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك بداية الأسبوع الماضي آلمني خبر انتقال المناضلة الشجاعة (موج الطائي) للرفيق الأعلى، بعد صراع مرير وطويل مع الأمراض والإعاقة، وكان وقع الخبر على نفسي وروحي كبيراً؛ لأنني انشغلت في الأسبوع الماضي، ولم أتواصل معها بعد أن طلبت منها أن تنقطع عن الفيسبوك بسبب مرضها، وقالت لي حينها: (إنها في مرحلة راحة)، ولم أكن أعلم أنها ذهبت إلى الراحة الأبدية؛ حيث لا همّ، ولا غمّ، ولا نكد، ولا كذب، ولا خداع.
(موج) لمن لا يعرفها، كانت اسماً على مسمى، كانت موجاً نازحاً لكل الذين يتاجرون بقضايا الوطن والمواطن، كان عشقها العراق، نفسها العراق، قلبها العراق، كانت هي العراق في زمن خان فيه آلاف الرجال وطنهم المظلوم، العراق!
موج كانت ناشطة وصحفية مجهولة، كانت جندياً مجهولاً إلا لدى القلة القليلة، ترصد آهات أهلها من المظلومين والمهجرين، كانت تلتقط كل صغيرة وكبيرة، وكل جزئية تخدم بلدها ومدينتها الحبيبة بعقوبة.
موج كانت تعدل في ميزان العدل والإنصاف آلاف الرجال المتخاذلين، الذين آثروا الراحة والطمأنينة والدعة في زمن الفيضان الجارف، الذي يغطي بلاد النهرين اليوم.
ماذا أقول عنك يا موج، وعن أي بطولة مميزة أتحدث، وعن أي صدق وكبرياء ووضوح وإيمان وصبر ورضا بما قدر الله أكتب؟!
يا موج نامي في أحضان الأرض، أرض العراق الحبيب، التي طالما دافعتي عنها، وهي اليوم تحتضنك بحب ووفاء، نامي قريرة العين، يا بنت العراق الكريمة.
نامي فإن عين الله لا تنام، وسترعاك بالرحمة والغفران، صحيح إننا لم نلتق، ولم تكن بيننا إلا بعض الاتصالات، إلا أنك تركت في ذاكرة العراق صورة لامرأة عراقية نادرة في زمن الذل والهوان، والإباء والصبر والبطولة.
هنيئاً للعراق بك يا موج!
هنيئاً لمدينتنا بعقوبة بك يا موج!
هنيئا لأهلك، الذين لا يعرفون دورك الكبير في الإعلام.
هنيئاً لنا تلك الأخوة والصداقة والرفقة الصالحة.
سيذكرك الشرفاء يا موج بكل فخر، وستبقين راية طاهرة مليئة بالوطنية والعفة والعطاء.
تعالي يا موج وانظري إلى مئات الأصدقاء، الذين يعزون بعضهم بعضاً برحيلك؛ لأنك كنت لهم أختاً في حب العراق والقيم والمبادئ.
يا موج: هذه السطور هي جزء من الوفاء لك لأنك بنت العراق؛ وسارية من ساريات مدينتنا بعقوبة.

رحمة الله عليك، وأسال الله لنا الصبر والسلوان.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ملآذات كانت آمنة!

الأخوة "الأعداء"!

تناقضات!