أقلام وأقلام!



قديماً قالت العرب: "عقول الرجال تحت أقلامها"، وقال عبد الله بن المقفع، ( أحد المشهورين بالكتابة والبلاغة، والترسل والبراعة): " القلم بريد القلب؛ يخبر بالخبر، وينظر بلا نظر".
ربما يتصور بعض الناس أن القلم واحد من الجمادات، التي تعيش على هذا الكوكب، والتي تحيط بنا من كل الجهات؛ وهذا الكلام - وإن كان فيه جزء كبير من المصداقية - إلا أن الأقلام هي لسان حال الكاتبين بها، وهي بالمحصلة تنبض بحياة الأمم والشعوب.
الأفكار الإنسانية الصحيحة والخاطئة، الطيبة والشريرة، النبيلة والرذيلة كلها تكتب بالأقلام، التي استبدلت اليوم بأجهزة الحاسوب، التي صارت تغني عن الأقلام أحياناً؛ وعليه فإن القلم هو الناطق بمكنونات النفس الإنسانية، وهو الوسيلة الأبرز التي نعبر من خلالها - بعد اللسان - عن أفكارنا، ومشاعرنا، وآمالنا، وطموحاتنا، بل وحتى عن آهاتنا، وآلامنا.
هذا القلم المليء بالحياة والعطاء، هو الأداة التي تنتقل عبرها الأفكار الإنسانية من الفكر، أو العقل إلى الورق، أو الحاسوب ثم إلى الجمهور؛ وعليه فهو الأداة الأولى لبناء، أو تحطيم أفكار الجماهير، وخصوصاً بالنسبة للكتاب، الذين تترك أقلامهم بصمة واضحة في أفكار القراء وعقولهم.
والقلم لا يقاس بقيمته المادية البسيطة أو الباهظة، بل يُقاس بما يسطره صاحبه من قول الحقيقة، وتبيان الطريق الصحيح للناس في كافة ما يحيط بهم من تفاعلات سياسية واجتماعية واقتصادية وفكرية.
والأقلام مثلها مثل الرجال تنكشف على حقيقتها في زمن الاختبار والابتلاء، وهي التي تكتب درجة النجاح، أو الفشل لصاحبها، والدليل على ذلك ما سطرته تلك في الأقلام في خزانة العلم الإنساني، والمتمثلة بملايين الكتب، التي تملأ المكتبات العامة والخاصة في مختلف العلوم والمعارف الإنسانية.
وأصحاب الأقلام الباطلة، أو الظالمة هم الذين يقلبون الحقائق، ويجعلون من نضال الشعوب وعملها من أجل التحرير إرهاباً، وهم الذين يسمون الدمار الأخلاقي والانحطاط تطوراً، وهم الذين يدعون أن الانفلات من القيم والمبادئ جزء من التطور والحضارة.
ومقابل هذا الصنف من الكتاب المدمرين لأفكار أبناء الأمة، نجد أصحاب الأقلام العادلة والمنصفة، الذين يقفون مع الشعوب والمظلومين والأحرار بأقلامهم، بل ويدفعون ضريبة هذه المواقف سجناً واعتقالاً ومطاردة من قبل الأنظمة الظالمة.
وبعد مراحل الظلم والاحتلال والخراب، التي حلت بالعراق منذ أن قدمت قوات الاحتلال الأمريكية - التي يسميها أصحاب الأقلام الظالمة بأنها قوات تحرير - ونحن أمام صنفين من الكتاب:
- الصنف الأول: هم الذين طبلوا للظلم والقتل والخراب، الذي حل بأهلهم مقابل حفنة من الدولارات الملطخة بدماء العراقيين، وتجدهم في كل يوم يملئون أقلامهم بمداد دماء الشهداء، ويكتبون مقالاتهم الباطلة على قبور الشهداء، وصدور المعتقلين، الذين يئنون حتى الساعة في بلد يدعي ساسته بأنهم دعاة الديمقراطية.
- أما الصنف الثاني: فهم أصحاب الأقلام الشريفة النزيهة، هؤلاء الذين تعيش قلوبهم وأفكارهم مع آلام وآهات أهلهم، وهم في كل يوم يزدادون قوة وصلابة، على الرغم من الإغراءات المادية والترهيب الواضح؛ لأنهم تيقنوا أن المبادئ التي يدافعون عنها أغلى من أرواحهم وحرياتهم.
الأقلام السوداء الباطلة لن تجد لها - بعد انجلاء هذه الغمة - مكاناً في تاريخ العراق المشرق المجيد، وسيكون مكانها اللائق صفحات الذل والخنوع، وهذا نتاج طبيعي لوقوفهم مع الظلمة ضد أهلهم ووطنهم.
القلم هو الشاهد الحي على كل عصور الكون؛ وعليه فإن من يقلب الحقيقة بقلمه؛ فإنه يزيف التاريخ للأجيال القادمة، وفي ذات الوقت يظلم الأجيال الحالية بتصويرهم (جبناء) في زمن الاستبداد، وسعداء في زمن الظلام.
وصدق الشاعر أحمد مطر إذ يقول واصفاً قدر القلم:
جسَّ الطبيبُ خافقـي
وقـالَ لي:
هلْ ها هُنـا الألَـمْ؟
قُلتُ له: نعَـمْ
فَشـقَّ بالمِشـرَطِ جيبَ معطَفـي
وأخـرَجَ القَلَــمْ!
**
هَـزَّ الطّبيبُ رأسَـهُ.. ومالَ وابتَسـمْ
وَقالَ لـي:
ليسَ سـوى قَلَـمْ
فقُلتُ: لا يا سَيّـدي
هـذا يَـدٌ.. وَفَـمْ
رَصـاصــةٌ.. وَدَمْ

وَتُهمـةٌ سـافِرةٌ.. تَمشي بِلا قَـدَمْ!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ملآذات كانت آمنة!

الأخوة "الأعداء"!

تناقضات!