العراقيون والتجربة التونسية




منذ أن انطلقت شرارة الثورة التونسية في 17 كانون الأول/ ديسمبر 2010 تضامناً مع الشاب محمد البوعزيزي - الذي عبر عن غضبه ضد الفساد الحكومي بإضرام النار في جسده - ونحن نجد أن العديد من دول الشرق الأوسط لم تهدأ، ولم تنعم بنعمة الأمن، بعد تلك الشرارة، التي كانت سبباً لثورات في بعض الدول العربية، وطورت مفاهيم، وغيرت العديد من الأنظمة بما فيها النظام التونسي.
التجربة التونسية كانت مميزة جداً، ففي انتخابات 2011 فازت حركة النهضة بـ(89) مقعداً من أصل (217)، أي حوالي 42% من المقاعد، ودخلت في ائتلاف حاكم مع حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، وحزب التكتل الديمقراطي من أجل العمل والحريات.
وفي الانتخابات التي جرت قبل أيام تغيرت المعادلة، وحصلت حركة النهضة ( الحزب الحاكم) على المرتبة الثانية في انتخابات شهد بنزاهتها المتابعون لها من كافة أرجاء العالم.
وهنا نلاحظ أن الحكومة التونسية رحبت بنتائج الانتخابات واعتبرتها جزءاً من حركة التغيير المستمرة في الدولة التونسية، ولم تحاول التلاعب بنتائجها، رغم (سطوتها)، والدليل أنها حصلت على المرتبة الثانية.
قبل أن نتناول (التجربة العراقية) ما بعد عام 2003، ينبغي أن نشير إلى أن غالبية الأحزاب الموجودة في حكم المنطقة الخضراء هي أحزاب ومنظمات وتكتلات تمثل ما بات يعرف خطأً بـ(الإسلام السياسي)، عموماً حينما نعود إلى هذه التجربة، التي يقول عنها دعاتها إنها تجربة (ديمقراطية مميزة)، نجد أنها فشلت في أكثر من اختبار، ومن أبرز صور (فشلها الديمقراطي):
- استمرار الظلم، بكافة صنوفه وأشكاله في عموم المحافظات العراقية، منذ أن وطئت أقدام هؤلاء (الديمقراطيين الإسلاميين) أرض العراق وحتى الساعة.
- انقلاب هؤلاء الساسة على العملية السياسية الديمقراطية، التي يتغنون بها، وقد تمثل ذلك برفضهم لنتائج الانتخابات، التي جرت عام 2010، والتي فازت فيها قائمة أياد علاوي (القائمة العراقية)، وكانت صورة الانقلاب باستصدار قرار من المحكمة الاتحادية، التابعة للحكومة، يعتبر الكتلة الأكبر هي التي تتشكل في داخل قبة البرلمان، وليست التي تفرزها صناديق الاقتراع؛ وهذا مفهوم غريب لم نر مثله، ولم نسمع عنه في أية انتخابات في العالم، وهو جزء من المهزلة الديمقراطية العراقية.
ومن صور الانقلاب الديمقراطي أيضاً إصرار رئيس الحكومة السابقة نوري المالكي على البقاء بمنصبه للمرة الثالثة؛ على الرغم من أن هذا الإصرار مخالف للدستور، الذي وقع عليه جميع ساسة المنطقة الخضراء، بما فيهم المالكي نفسه، ولولا تدخل أمريكا وغيرها من الدول الفاعلة في الشأن العراقي لرأينا أن البلاد – ربما - قد مزقتها (الحرب الديمقراطية المسلحة) بين أنصار هؤلاء الساسة، الذين هم في غالبيتهم من المليشيات، وكل ذلك من أجل المناصب!
حكومة المالكي، التي كانت متغولة في عموم البلاد - وبشهادة غالبية السياسيين – لم تكن الخيمة الحافظة لنزاهة الانتخابات الأخيرة، بل على العكس من ذلك فقد زورت نتائجها، وحصل المالكي على أكثر الأصوات، وبقي يردد أنه صاحب الكتلة الأكبر، وبقي يهدد ويندد حتى حُسم الأمر بقرار أمريكي باستبعاد المالكي المرفوض عراقياً وإقليمياً ودولياً من رئاسة الوزراء.
الديمقراطية الحقيقية، وليست المزيفة تعني في بعض تفسيراتها الشفافية، أو المصداقية في عرض الحقائق أمام الجمهور، وهذا ما لم يقع على كافة المستويات العسكرية والإعلامية والخدمية، وغيرها من المجالات في العراق، وصور تزييف الحقائق للجماهير، هي جزء من التناقضات العملاقة في قطار العملية السياسية الجارية في بلاد الرافدين.

التجربة التونسية المميزة تجعلنا نقف باعتزاز للتونسيين شعباً وسياسيين، الذين رضوا بخيارات الشعب التونسي، الذي آثر (نداء تونس) على غيرهم، وبالمقابل فإن التجربة (العراقية) بعد عام 2003 مميزة، أيضاً، لكنها مميزة بأنها لا تملك أجندة وطنية، ولا خارطة طريق، وكذلك عدم استفادتها من تجارب بقية الشعوب الحية في العالم.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تناقضات!

من ذكريات معركة الفلوجة الاولى

الكرد والنظام التوافقي في العراق!