أمريكا خرجت من الباب وستعود من الشباك!



بعد انسحاب قوات الاحتلال الأمريكية من العراق نهاية عام 2011، وجدت هذه الخطوة معارضة كبيرة في داخل أمريكا؛ على اعتبار أنها كانت متسارعة، وتركت العراق في حالة لا تسمح له بالوقوف على قدميه؛ وأيضاً لأن الأمريكان لم يحققوا كافة الأهداف الإستراتيجية؛ التي من أجلها اجتاحوا العراق، وبالتالي فهم يريدون العودة مجدداً بشكل، أو بآخر.
الانسحاب، أو الهروب الأمريكي كان نتيجة طبيعية للمقاومة الشعبية العراقية للتواجد الأجنبي الأمريكي؛ وعليه كان من حق الرئيس الأمريكي أوباما؛ أو غيره أن يتخذ مثل هكذا خطوة؛ للحفاظ على أرواح جنوده، الذين صاروا هدفاً يومياً لرجال المقاومة العراقية.
واليوم - وبعد ثلاثة أعوام تقريباً - نجد أن أمريكا، التي خرجت من الباب تريد العودة من الشباك؛ بحجج مختلفة؛ فاحتلال الأمس كان على أساس أن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل؛ وأن نظام الحكم في بغداد بات يُشكل خطراً على السلم الإقليمي والعالمي، وبعد سنوات من الاحتلال اعترف الأمريكان بخلو العراق من الأسلحة المحرمة. واليوم تعود أمريكا للمنطقة من جديد بتحالف دولي ثالث بحجة مكافحة الإرهاب، والتطرف، والنتيجة – ربما سنرى - قوات احتلال جديدة في كل من العراق وسوريا، وربما غيرهما من البلدان، بحسب تداعيات المعارك البرية المرتقبة، التي لا يمكن التكهن بنتائجها في ظل الانهيار الواضح لقوات الأمن العراقية والسورية في معاركها مع المسلحين.
هذه الصورة المتشابكة، والفشل الواضح للضربات الجوية الدولية في إضعاف المسلحين دفعت العديد من الزعماء في داخل العراق وخارجه للحديث عن احتمالية التدخل البري مجدداً في أرض الرافدين!
والسؤال الذي يثار هنا، هل أمريكا مستعدة لإعادة إرسال جنودها ثانية إلى العراق، وهل سيقبل الشارع الأمريكي التورط مرة أخرى في المستنقع العراقي، بعد أن تعهد الرئيس أوباما بعدم التدخل برياً، ثم منْ من بلدان المنطقة يمكن أن تكون كبش الفداء بدلاً عن القوات الأمريكية، وتتورط برياً في أرض الرافدين؟!
حينما نتابع ميزان القوى على أرض العراق وسوريا، نجد أن الضغوطات الأمريكية على الأتراك تجعلنا نتوقع أن تكون القوات التركية هي المرشح الأكبر لخوض غمار التدخل البري، في سوريا، وهذه الخطوة التركية ستكون الضربة القاصمة لحكومة أوغلوا، وفي ذات الوقت هي الضربة القاضية، واللحظة القاتلة لحكم الإسلاميين في الجمهورية التركية!
أما في العراق فاعتقد أن الأمر سيتم بقوات خاصة أمريكية، أو ربما تركية؛ لأن الأمريكان يتحدثون اليوم عن ضعف قوات حكومة بغداد؛ وعليه فهم صاروا يلمحون أحياناً، ويصرحون أحياناً أخرى، بضرورة التدخل البري، ومن هذه التصريحات ما ذكره العقيد الأمريكي المتقاعد، ريك فرانتونا، لـCNN: " أعتقد بوجود حاجة لإرسال قوات برية إلى المناطق الغربية العراقية، قد تشكلها الدول المشاركة في الحلف الدولي".
وأيضاً هذه التصريحات جاءت من حلفاء أمريكا، ومنها ما ذكره القائد السابق للجيش البريطاني الجنرال ديفيد ريتشاردز، قبل أسبوع تقريباً، إذ أكد أن: " الضربات الجوية لا يمكن لها حسم الحرب"، مشدداً على " ضرورة مشاركة وحدات عسكرية غربية بمعركة برية لدعم القوى على الأرض".
هذه الدعوات الخارجية قابلتها استغاثات مماثلة على الصعيد الداخلي العراقي من نواب وقادة عسكريين وسياسيين، وجميعهم يطالبون بعودة القوات البرية الأجنبية لبسط الأمن على الأرض بحسب زعمهم؛ لأنهم يعلمون أن وجودهم مرتبط ببقاء الأوضاع الحالية في البلاد على ما هي عليه الآن!
هذه الصور المتشابكة المعالم، التي هي جزء من الواقع العراقي الحالي، لا تقف انعكاساتها عند الحدود العراقية، وعليه فإن المستقبل يُنذر بما لا تحمد عقباه، وكالعادة فإن الخاسر الأول هي الشعوب، التي وجدت نفسها - في لحظة من الزمن - تدفع ضريبة تناحرات إستراتيجية، وشهوات حكم يلهث ورائها ساسة وزعماء،  على أهبة الاستعداد لتدمير الكون؛ من أجل البقاء على كراسيهم.

من المؤسف حقاً أن تقع كل هذه الكوارث في بلداننا الآمنة!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تجارة المناصب!

تناقضات!

الشرف السياسي!