ميكافيلي واحتلال العراق!





عندما وضع نيكولو مكيافيلي (1469-1527) كتابه (الأمير) العام 1513، كان قصده خدمة الأمير الايطالي "لورنزو الجديد" - أحد أفراد آل ميديتشي- وتعليمه، وتثبيت دعائم حكمه، وتعريفه بالطرق المختلفة والمتشعبة للسيطرة على الشعوب والأمم ومقدراتها.
ومما ذكره في كتابه "إذا افتتح فاتح بلاداً كانت قبل الفتح حرة سائرة على شرائع وسنن خاصة بها، فللتحكم فيها ثلاث طرق:
الأولى: أن يخرب الفاتح البلاد المفتوحة، ثم يؤسس سلطته على أنقاض السلطة الغابرة.
والثانية: أن يعيش الفاتح في البلاد المفتوحة.
والثالثة: أن يمنح الفاتح البلاد حريتها السياسية، واستقلالها الداخلي، شريطة أن يفرض عليها الجزية كل عام".
ثم يضيف "بيد أن الأساس المتين في حكم البلاد الحرة بعد فتحها هو تخريبها وتدميرها، فإن لم يهلكها الفاتح أهلكته".
ومن غرائب السياسة نجد أن دراسة الواقع العراقي بدقة بعد العام 2003 يدفعنا لتأكيد فرضية أن قادة الاحتلال الأميركي في العراق طبقوا نصائح ميكافيلي بحذافيرها، واليوم وبمناسبة الذكرى الرابعة عشرة لاحتلال العراق في العام 2003 سنحاول تمحيص فرضية تطبيق النصائح الميكافيلية على ارض الرافدين.
معلوم أن الخروج الرسمي لقوات الاحتلال الأميركي من العراق نهاية العام 2011 لم ينه تواجد قواته المحتلة في تلك البلاد التي لم تر العافية منذ تسعينيات القرن الماضي وحتى الساعة. 
وأرى أن قاعدة "الأساس المتين في حكم البلاد الحرة بعد فتحها هو تخريبها وتدميرها"، وقاعدة "أن يخرب الفاتح البلاد المفتوحة، ثم يؤسس سلطته على أنقاض السلطة الغابرة"، قد طبقتا بحرفية عالية. وفي هذا الملف يذكر الباحث العراقي اللواء الركن حازم الراوي عن الأيام الأولى لاحتلال العراق أن "الجيش الأميركي استخدم أطنانا من القنابل خلال 20 يوماً. في العام 1991 قال كولين باول، رئيس هيئة الأركان في حينه، إن الجيش الأميركي استخدم في العراق ما يعادل 140 ألف طن من المتفجرات خلال المعركة! وهذا شيء معلن. القنبلة الذرية التي ألقيت على هيروشيما وناغازاكي من قبل الأميركيين في يوم 6 آب (أغسطس) 1945 كانت تزن 20 ألف طن. أي أن الذي استخدم في العراق يعادل 7 قنابل نووية".
فهل هناك خراب يمكن أن يكون بعد أن استخدم المحتل في الأيام الأولى فقط 140 ألف طن من المتفجرات، فكم هي أطنان القنابل التي استخدمت خلال سنوات الاحتلال وحتى الآن، وإحصائيات القتل والتدمير للمواطنين والمدن باتت معروفة من حيث بشاعتها وحجمها الكبير؟!
وبخصوص طريقة الحكم الثانية فان المتابعين للشأن العسكري العراقي يعلمون أن هنالك اليوم الآلاف من العسكريين الأميركيين، وهنالك أكثر من عشر قواعد عسكرية منتشرة في عموم البلاد ومن هذه القواعد (عين الأسد في قضاء البغدادي وقاعدة الحبانية في الأنبار وقد استخدمتهما قوات الاحتلال الأميركية كقاعدتين عسكريتين، عقب سيطرة تنظيم "داعش" على أغلب مدن المحافظة في 2014، وكذلك هناك قاعدة مطار القيارة العسكري جنوبي مدينة الموصل، وقاعدة بلد الجوية في محافظة صلاح الدين، وقاعدة في منطقة المنصورية في ديالى فضلاً عن قواعد أخرى في الجنوب.
أما الطريقة الثالثة فإنها لم تنفذ إلا بصورة شكلية، وهنالك امتصاص لـ"الجزية" التي تؤخذ بطرق أخرى ومنها الإعمار المفترض، وصفقات تسليح الجيش العراقي، وعقود شركات النفط، ناهيك عن السرقات التي تمت في مرحلة ما بعد الاحتلال من نهب وتهريب للذهب والآثار والزئبق وأموال الدولة العراقية السابقة.
واليوم وبعد أكثر من 500 عام على تأليف كتاب الأمير نلاحظ أن هذه الفرضيات الثلاث قد طبقت في العراق وكأن ميكافيلي ألف كتابه للأميركيين في العراق، حيث إن البلاد كانت تعيش على شريعة خاصة بها، وكانت هناك دولة ذات سيادة واعتبار في المنطقة، وحينما جاء المحتل كانت سياسته تدمير الإنسان والجماد ونهب الخيرات.
وهذا ما حصل بالفعل.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ملآذات كانت آمنة!

الأخوة "الأعداء"!

تناقضات!