الحياة على حافة الموت



تُعد الطفولة من أروع المراحل الإنسانية من حيث الجمال والبراءة والنقاء والصفاء. والأطفال هم الأساس الذي يُبنى عليه مستقبل الأوطان. والبناء الصحيح لمرحلة الطفولة -كما أثبتت التجارب- يقود إلى صنع الرجال والنساء الصالحين، وكذلك تدعيم جوانب الحياة الإنسانية كافة بالطاقات المتجددة والنافعة، وأن ما يُبنى في مرحلة الطفولة، سواء أكان هذا البناء سلبياً أم إيجابياً، سيجني المجتمع ثماره.
الطفولة في العراق تتعرض الآن، وفي كل ساعة تقريباً، إلى إعدامات معنوية ومادية، وبالأخص في المحافظات التي تعاني استمرار العمليات العسكرية فيها منذ سنوات. وقبل أيام عدة، حدثني أحد زملائي في الدراسة الجامعية العليا من أهالي الموصل عن أنه وعائلته خرجوا من المدينة بعد أن رَأَوا الموت بأعينهم، وكأن الساعة قد قامت عليهم، وأنه مهما حاول أن يصف بشاعة وضراوة النيران المستخدمة في الهجوم فإنه لا يستطيع نقلها، وأن "القوات المهاجمة لا تفرق بين مقاتلي "داعش" والمدنيين، وكل ما يشغلها هو تدمير الأحياء السكنية لمسك الأرض من دون النظر إلى حجم الخسائر البشرية والمادية".
ومما استوقفني في حديثه المرير أن ابنه كان يقول له في كل ليلة: "أبي متى نموت؟". ويضيف: "لم أكن أعرف ساعتها كيف أرد على سؤاله الكبير والمتكرر في كل ليلة".
منظمة الطفولة العالمية "اليونسيف" سبق وأكدت أن "ثمة 4.7 مليون طفل تأثروا مباشرة بالنزاع في عموم العراق. وهناك 3.5 مليون طفل خارج المدرسة. وفي داخل الموصل هناك أكثر من نصف مليون طفل". وأول من أمس، أكد ماوريتسيو كريفاليرو، مدير مكتب منظمةSave the" Children" البريطانية غير الحكومية في العراق أن "نحو 350 ألف طفل وفتى تقل أعمارهم عن 18 عاماً عالقون في القسم الغربي من الموصل"، وأن "عواقب عمليات القصف في هذه الشوارع الضيقة والمكتظة بالسكان قد تكون أكثر دموية من كل ما عرفناه حتى الآن"، و"الأطفال أمام خيارين مروّعين في الشطر الغربي من الموصل؛ عليهم أن يختاروا بين القنابل والمعارك والجوع إن بقوا، والإعدامات ورصاص القناصة إن حاولوا الفرار". وأن "على القوات العراقية وحلفائها وبينهم الولايات المتحدة وبريطانيا، بذل كل ما في وسعهم لحماية هؤلاء الأطفال وعائلاتهم الذين يعانون نقص الطعام والمياه والأدوية".
وسبق لليونسيف أن كشفت نهاية العام الماضي عن "وجود أكثر من 16,000 طفل في مخيم ديبكة، ممن نزحوا من مناطق مختلفة في شمال العراق". وذكر تقرير للمنظمة بعض قصص الفارين من جحيم المدينة، من بينها قصة حَسن، الصبي في التاسعة من عمره، وكيف أضطُر هو وعائلته إلى ترك ديارهم بسبب العوز، ونفاد ما لديهم من طعامٍ ومال. وأضاف: "لم يكن لدينا سوى الباذنجان لنأكله". وكذلك قصة الصبي ماهر الذي "وصف رحلته سيراً على الأقدام هو وأخته الصغرى، زهراء، مع والديه، وكيف كانت رحلة شاقةً ولمدة تزيد على 15 ساعة متواصلة للوصول إلى هذا المخيم".
فهل يعقل أن الأهالي يسيرون على أقدامهم أكثر من 15 ساعة وسط القذائف والألغام المحيطة بالمدينة للوصول للمخيمات؟ أعتقد أنها رحلة نحو الحياة على حافة الموت! ثم أين الممرات الآمنة للمدنيين الفارين من جحيم المعارك التي تتحدث عنها حكومة بغداد؟!
استمرار الاستخفاف بحياة عموم العراقيين، والأطفال على وجه الخصوص، سينتج جيلا ناقماً على البلد، لا يؤمن بالانتماء الوطني، لأن الحكومات التي تقتل أبناءها لا يمكن أن تمثلهم، والنواب الصامتين عن قتل أهلهم لا يمكن أن يمثلوا محافظاتهم المنكوبة.
العراق بحاجة إلى حكمة في التعامل مع الوضع القائم، عبر خطة وطنية حكيمة، لفرز الأشرار عن الأخيار الذين يمثلون الأكثرية العظمى. لهذا ما يحصل اليوم هو عمليات انتقام جماعي واضحة.
البناء المبكر لرجال الوطن من الأطفال والصبيان يكون بتهيئة الظروف الصحيحة لنشأتهم، والتي ستقود بلا شك إلى أن يكونوا بناة ومنتجين، وإلا فإننا جميعاً سندفع ثمن إهمالهم.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ملآذات كانت آمنة!

الأخوة "الأعداء"!

تناقضات!