العراقيون والولاية الثالثة والقرية الصغيرة



المواقف المؤلمة في حياة الإنسان كثيرة، وهي جزء من الصراع الإنساني من أجل البقاء على هذا الكوكب، وهذه الصراعات ربما تكون اقتصادية، أو أخلاقية، أو اجتماعية، أو سياسية، ولكل نوع منها مديات زمنية تطول، أو تقصر بحسب أعداد الناس المتأثرين بنتائجها.
الصراع السياسي يتمثل اليوم في (العراق الجديد) في اللعبة الديمقراطية، التي يصورها غالبية الساسة - المنتفعين من استمرارها - على أنها هي الحل لخروج الوطن من أزماته المتراكمة، وكنا نتمنى أن تكون هذه الديمقراطية المستوردة البلسم الشافي للجرح العراقي، الذي عجز الأطباء عن ايجاد العلاج المناسب له، لكن أحلامنا - كما يبدو - كأحلام العصافير.
وقبل أن تجري الانتخابات انقسم العراقيون إلى فريقين:
فريق يرى أن التغيير ممكن عبر صناديق الاقتراع، وهؤلاء ملئوا الحياة، ومواقع التواصل الاجتماعي وغيرها بالأدلة المبتكرة والكلام المنمق؛ من أجل اقناع الناس بأن التغيير حاصل لا محالة!
أما الفريق الثاني فقد رأوا في هذه الانتخابات مضيعة للوقت، والمال، بل هي شرعنة، وتأييد للحالة الشاذة السائدة على الساحة العراقية منذ عام 2003 وحتى اليوم، وغالبية الفريق الثاني آثروا الصمت؛ حتى لا يقال إنهم سببوا خسارة هذا الطرف، أو ذاك في هذه اللعبة الانتخابية.
انتهت الانتخابات، وأُعلنت النتائج في يوم 19/5/2014، وكان تقدم كتلة دولة القانون بزعامة نوري المالكي واضحاً في عموم العراق، حيث حصلوا على (95) مقعداً، فيما حصل أقرب المنافسين على (34) مقعداً، والمالكي لا يمكن أن يشكل الحكومة، إلا بعد حصوله على أكثر من (164) مقعداً.
بعد ساعات من إعلان النتائج أكد بعض ممثلي الكتل المنافسة للمالكي أن عمليات التزوير مؤكدة في هذه الانتخابات، وهذا ما بينته كتلة عمار الحكيم، وكتلة اياد علاوي، وكتلة متحدون، وهنا لا أريد أن أذكر نصوص التصريحات المشككة بنتائج هذه الانتخابات؛ لأننا نعتقد اعتقاداً جازماً أن التزوير الانتخابي هو جزء من التزوير الكبير لعموم المشهد العراقي، ولا أظن أن من قالوا بوجود التزوير قد جاءوا بجديد؛ لكن الذي يهمنا ماذا بعد مرحلة إعلان النتائج؟!
في ضوء هذه النتائج عملت بعض الكتل المنافسة للمالكي على ترتيب صفوفها لاختيار مرشح غير المالكي لرئاسة الحكومة؛ وعليه سمعنا يوم 20/5/2014 بوجود تكتل جديد يجمع التيار الصدري، والمجلس الأعلى، ومتحدون، والوطنية، والعربية، وغيرها، وأنه يجري الآن وضع اللمسات الأخيرة لهذا التكتل.
السؤال الذي يثار هنا:
 فيما لو نجح هذا التكتل في أن يحصل على العدد الكافي من الأصوات المؤهلة لاختيار رئيس للحكومة؛ فهل سيقبل المالكي بتسليم دفة الحكم لغيره أم لا؟!
المنطق الديمقراطي الذي يتغنى به جميع الساسة يفرض على الجميع - ومنهم المالكي - القبول بمرشح الكتلة الأكبر؛ لكن التجربة المريرة ترفض هذا المنطق الديمقراطي، حيث إن المالكي لن يسلم زمام الأمور بالسهولة، التي يتصورها بعض شركائه، وهنا أُكرر ما قلته في مقال سابق، على صفحات جريدة السبيل الغراء بتاريخ 26/4/2014:
(التفاعلات السرية والعلنية، هي جزء من الحوارات الجارية على قدم وساق؛ من أجل إعادة ترشيح المالكي لولاية ثالثة، لكن السيناريو المرعب، الذي – ربما سيقع لا قدر الله - سيبدأ بافتعال أزمة تُحْدثها جهات لها مصلحة في استمرار الأوضاع الحالية السيئة في العراق؛ وربما تكون شرارة هذه الأزمة بضرب مرقد لأحد الأئمة، أو باغتيال شخصية كبيرة؛ تدخل البلاد على إثرها في حالة من الفوضى العارمة؛ ليُلعن بعدها رئيس الحكومة حالة الطوارئ في عموم البلاد، وتلغى نتائج الانتخابات، ويبقى المالكي رئيساً للوزراء، وذلك بموجب: (الأمر التشريعي رقم (1) لسنة 2004)، الذي أصدره أياد علاوي، عندما كان رئيساً للوزراء، وهذا ما يجعله يتمتع بالسلطتين التشريعية والتنفيذية في آن واحد، وهذا القانون ساري المفعول!).

هذه هي الديمقراطية التي يتغنى بها ساسة (العراق الجديد)، مهزلة جعلتنا اضحوكة في زمن أصبح فيه العالم قرية صغيرة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ملآذات كانت آمنة!

الأخوة "الأعداء"!

تناقضات!