عام من الكفاح الشعبي العراقي


مخطئ من يظن أن التسويف والمماطلة هي الأسلوب الأمثل لتمييع مطالب الجماهير الغاضبة، والمطالبة بحقوق إنسانية وشرعية وقانونية.
ومخطئ- أيضاً- من يعتقد أن استخدام السلاح والترهيب سيخمد نار التغيير المتقدة في جنبات النفوس المظلومة المهشمة، وكذلك واهم- كل الوهم- من يتصور أن الوعود الكاذبة للجماهير الغاضبة ستسكت الحناجر التي هتفت ضد الظلم والخراب والفساد.
وكل نظام في الأرض له اسلوبه الخاص في معاملة شعبه، إلا أن احترام قيمة الإنسان، وكرامته، وحقوقه لا يمكن أن تكون ملفاً للمساومة بين الحكومات التي تحترم نفسها، وبين الشعوب الحرة؛ لأن الأنسان بلا كرامة، أعتقد أن باطن الأرض أولى به من ظاهرها.
والعراقيون بعد عام 2003، ذاقوا من الويلات ما لم يذقه غيرهم على يد اعتى الطغاة والظلمة، فهم بين مطرقة الاحتلال وسندان الحكومات الموالية له، وبعد خروج الاحتلال وخلاصهم من جبروته وجدوا أنفسهم أمام ظلم أبناء جلدتهم، وبعد طول صبر على الظلم قرروا في مثل هذه الأيام من العام الماضي أن يضعوا حداً لاستخفاف حكومة المنطقة الخضراء بأرواحهم وكرامتهم، وانطلقت جموع الجماهير في الانبار؛ مطالبة بإيقاف الاعتقالات العشوائية؛ ومذكرات التوقيف الكيدية؛ وإنهاء مهزلة المادة (4 ارهاب)؛ والمخبر السري؛ وإطلاق سراح النساء والرجال من الذين ظلموا واعتقلوا بلا جناية تذكر.
الشرارة التي انطلقت من الانبار وصلت إلى خمس محافظات أخرى، من ضمنها نصف العاصمة بغداد.
حكومة المالكي فشلت- كما هو دأبها في سائر سياساتها- في تحقيق مطالب الجماهير، وجربت معهم الوعيد، ونفذت قواتها الوحشية التهديدات التي اطلقها رئيسها، المالكي، وارتكبت مجازر دموية في بعض ساحات الاعتصامات، ونفذت عمليات اغتيالات منظمة لزعماء الحراك ورموزه؛ ظناً منها أن هذا الأسلوب الدموي سيخيف المعتصمين والثوار، ويمنعهم من مواصلة طريق الكفاح حتى تحقيق مطالبهم المشروعة.
وفي يوم 23/4/2013، ارتكبت جريمة بشعة بحق المعتصمين في الحويجة بمحافظة كركوك؛ حيث هاجمت القوات الحكومية المدججة بالأسلحة الثقيلة والمتوسطة، جموع المعتصمين العزل؛ وخلفت وراءها مئات القتلى والجرحى.
وبعد الحادث بأسبوعين قالت منظمة هيومن رايتس ووتش، وهي منظمة حقوقية دولية، وعلى لسان المديرة التنفيذية لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المنظمة (سارة ليا ويتسن): " إن التقرير الأولي، الذي وضعته اللجنة البرلمانية العراقية، وقدمته إلى المنظمة يستند جزئياً إلى الشهود، ويقدم أدلة على أن رئيس الوزراء نوري المالكي، ووزير الدفاع، ومسؤولين كبار بوزارتي الدفاع والداخلية أمروا بالهجوم على ساحة اعتصام الحويجة في الـ(23) نيسان/ أبريل 2013، والذي أدى إلى مقتل العشرات من المتظاهرين".
وفي يوم 17/5/2013، نفذت المليشيات الاجرامية التابعة لحكومة المالكي جريمة بشعة بحق مصلي جامع سارية وسط بعقوبة، وذلك بعد أن استهدفتهم بالعبوات الناسفة، والرصاص الحي بعد خروجهم من صلاة الجمعة، وكانت الحصيلة الأولية أكثر من (100) مصلياً سقطوا بين شهيد وجريح!
عام من الصبر والصمود المنقطع المثيل، حيث التكاتف والتلاحم والألفة بين الجميع في تلك الساحات، التي صارت مدرسة للصمود بوجه ادعياء الوطنية، وكأنني اليوم بلسان حال هؤلاء الرجال وهم يقولون: سنصبر حتى يمل الصبر من صبرنا، وسنكافح حتى يمل المتجاهلون لحقوقنا من ثباتنا، وسنبقي حراكنا سلمياً حتى نثبت للعالم أننا لسنا سفاحين، وإنما خرجنا مطالبين بحقوقنا الإنسانية المهمشة والمفقودة، ونجهض ادعاءات الحكومة، التي تتهمنا بالإرهاب!
ساحات الاعتصامات المستمرة صارت مدارس مفتوحة يتعلم فيها الجميع حب الوطن، ورفض الظلم، وأنتجت جيلاً يرفض الظلم ويكره الخونة والعملاء، ورجال هذا الجيل مستعدون للتضحية بأرواحهم؛ حتى ينيروا دروب الخير لبقية العراقيين!
وهنا أقول لحكام العراق اليوم: لا تغرنكم قوتكم الجوفاء؛ لأن العراقيين الذين أرغموا أمريكا على الخروج من بلادهم صاغرة ذليلة، قادرون على أن يضعوا حداً لاستخفافكم بكرامتهم وإنسانيتهم.

وأظن أن الأيام حبلى بالأحداث التي ستفاجئكم.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تناقضات!

من ذكريات معركة الفلوجة الاولى

الكرد والنظام التوافقي في العراق!