احتلال العراق، والقبور الأمريكية الثابتة والمتحركة


القبر، أو المقبرة هي المسكن الثاني للإنسان، الذي ينتقل منه من هذه الدنيا الفانية إلى حيث النعيم الدائم، أو الجحيم المستمر.
والمقابر أنواع منها المقابر الثابتة، وهي التي نشاهدها في كل مدينة، والتي تضم جثامين الذين فارقت أرواحهم أجسادهم، ومنها المقابر المتحركة، وأقصد بها الأشخاص الذين مات الأمل في نفوسهم، فهم أموات بين الأحياء، وأجسادهم قبور متحركة، وعليه لا يمكن تحديد أماكن هذه المقابر، أو القبور المتحركة!
والخسائر البشرية الأمريكية على أرض الرافدين، جعلت هذه الدولة «أمريكا»، تتمتع اليوم بالقبور الثابتة والمتحركة، جراء تلك الهزيمة النكراء على يد المقاومة العراقية الباسلة.
وبخصوص عدد القبور الثابتة، تؤكد الإحصائيات الأمريكية مقتل أكثر من أربعة آلاف مقاتل أمريكي، فيما تشير الإحصائيات غير الرسمية إلى مقتل أكثر من أربعين ألف مقاتل بالعراق.
التورط الأمريكي بالوحل العراقي، لم تتوقف خسائره، حتى بعد مرحلة الانسحاب الرسمي منذ أكثر من عام، بل ما تزال أمريكا حتى الساعة، تدفع خيرة شبابها ضريبة جرائمها وتورطها غير المشرف، وغير المبرر، بالمستنقع العراقي، ومما لا شك فيه أن شهادات بعض العسكريين الأمريكيين، من الذين شاركوا في حرب العراق مهمة؛ لبيان حقيقة الاجرام والظلم الذي حل ببلاد الرافدين، وضمن هذه الشهادات التي ظهرت بعد عقد من الاحتلال والخراب الذي حلّ بالعراق، هي شهادة الجندي الأمريكي «توماس يونغ» الذي تأسف، وهو يحتضر على فراش الموت يوم 6/4/2013، على مشاركته في الحرب الأمريكية على العراق، واصفاً إياها بـ»المقبرة» التي حصدت أرواح الأمريكان من دون مبرر.
وأضاف يونغ: «لا أعرف لم خضنا حرب العراق، وأن فراش الموت يجعلك تتذكر ما جرى، لقد خضنا حرباً في العراق، ذهب ضحيتها أربعة آلاف جندي أمريكي، وعدد كثير من العراقيين، ولقد كتبت رسالة إلى الحكومة الأمريكية لأستفسر فقط عن أسباب خوضنا لحرب العراق، لكني لم أتلق أي جواب»!، وختم «يونغ» كلامه بالقول: «أتمنى من كل جندي أمريكي أن يفكر، قبل أن يخوض أي حرب بشيء مهم، ما الفائدة من هذه الحرب؟!».
وفي يوم 17/3/2013، ذكرت تقارير صحفية أمريكية أن معدلات الانتحار بين صفوف الجنود الأمريكيين العائدين من العراق بعد عشر سنوات قد ارتفعت، لتصل إلى حالة انتحار يومياً، وهذه النسبة تشكل نحو 20% من مجمل عدد حالات الانتحار في الولايات الأمريكية، وأن أسباب ارتفاع معدلات الانتحار العالية تعود إلى قساوة الحرب خارج البلاد، والبطالة والتشرد داخلها.
ولم يتوقف الأمر عند تصاعد معدلات الانتحار، بل إن الإحصائيات الحكومية الأمريكية تشير إلى أن معدل المشردين من الجنود يصل إلى 62 ألف جندي!
وفي منتصف آذار 2013، كشف كتاب نشر في أمريكا للصحفية الأمريكية «هيلين بنديكت»، وهو بعنوان «الجندي المنعزل»: «أن الآلاف من النساء الأمريكيات تعرضن خلال السنوات الخمس الماضية إلى القتل، أو الضرب والاعتداء، أو الترهيب من قبل أزواجهن، أو خطبائهن من الجنود الذين شاركوا في غزو العراق واحتلاله، وأن عشرات الزوجات الأمريكيات تعرضن للشنق، أو إطلاق النار، أو قطع الرأس، أو الأوصال، أو قُتلن عندما أحضر أزواجهن الحرب إلى المنزل، وأن هؤلاء النساء يشكلن عدداً من إصابات الحرب تساوي عدد آلاف الجنود الذين قتلوا أنفسهم بعد مشاركتهم في المعارك»!
وكشف الكتاب أن» هناك تجاهلاً إعلامياً واجتماعياً لتلك الجرائم، التي أصبحت في عداد الظاهرة التي لا يمكن تجاهلها، أو غض الطرف عنها».
وأظن أن ما خفي كان أعظم، وأن القادم أكثر!
هذه هي نتائج الظلم، حيث إنه لا يمكن أن يكون باباً للخير، ولو بعدت المسافات والأيام، بل إنه» أي الظلم» كان، وما يزال، وسيبقى، معولاً لتهديم القيم الإنسانية والاجتماعية والأخلاقية. والحكومات الناجحة، مهما عظُمت قوتها، هي التي تجعل من العدل أساساً تنطلق منه في علاقاتها، وإلا فإن الظلم سيرتد عليها في ساعة ما، وحينها لا ينفع الندم!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تجارة المناصب!

تناقضات!

الشرف السياسي!