همجية المسؤول وهيبة ( الدولة)




جاء في القاموس العصري: أن" الهمجيَّة، هي اسم مؤنَّث منسوب إلى هَمَج، والهَمَج حالة شعب لم يأخذ بأسباب الحضارة، والهمج هم رعاع من النّاس لا نظام لهم، ويقال: لا زال بعض البشر يعيشون في همجيّة".
الهمجية يمكن أن تكون في سائر مجالات الحياة الاجتماعية العامة والخاصة، وأيضاً في التصرفات السياسية والإعلام والإرشاد، وفي عموم مجالات الحياة المتنوعة، وهي تعكس حالة الرقي، أو التخلف الإنساني، فالإنسان المتخلف تراه همجياً في كل صغيرة وكبيرة، والإنسان المدني المثقف تراه راقياً ومميزاً في كل صغيرة وكبيرة.
والهمجية تكون فكرية قبل أن تكون سلوكية، وبالتالي فان التأثير الفكري يُترجم بأفعال سلوكية همجية على الأرض، وهذا ما لاحظناه - ونلاحظه - في بلاد الرافدين، حيث إن الهمجية الفكرية قادت للتآمر على البلد، وتسليمه للمحتل البعيد، ثم للمحتل الجديد القريب.
اليوم نجد أن الهمجية هي السلوك السائد في قرارات وتصرفات غالبية ساسة (العراق الجديد)، فهمجيتهم هي التي دفعت غالبيتهم للقتل والتمثيل بالجثث، ودعم المليشيات، وتدمير المنازل على رؤوس ساكنيها، ودعتهم للاستخفاف بكافة القيم والأعراف والتقاليد الإنسانية الأصيلة؛ وبالتالي فإن تلك الهمجية قادتهم لأن يكونوا طغاة في بلادهم، لا يعرفون الرحمة، ولا يضبطهم أي ضابط قانوني أو أخلاقي!
وقبل أيام رأينا سلوكاً همجياً، وهو ليس جديداً ولا نادراً، إلا أنه جزء من السلوك العام لغالبية المسؤولين في (العراق الجديد)، والقصة باختصار هي أن موكب وزير حقوق الإنسان، مهدي البياتي، مرَّ في ساحة الفارس العربي في حي المنصور غربي العاصمة، ورجال المرور، الذين كانوا يتواجدون بالمنطقة لم يقطعوا الطريق لمرور موكبه؛ وذلك لشدة الزخم المروري، وأيضاً استناداً لأوامر حكومية بعدم القيام بذلك لأي مسؤول مهما كان منصبه.
وهنا بدأت الإشكالية، أو المهزلة حيث إن الإجراءات النظامية المتبعة في تنظيم السير دفعت الوزير (المتحضر) وحمايته للترجل من الموكب؛ لينهالوا بالسب والضرب بأعقاب بنادقهم، على أحد المنتسبين، وهو المفوض (عبد الخالق جبار)، ولم يكتفوا بذلك، بل تجاوزوا بالضرب والسب على باقي رجال المرور المتواجدين، وحاولوا اقتياد المفوض معهم، لولا تدخل بعض المواطنين ومنعهم من ذلك.
هذه القصة باختصار، وهي ذكرتني بالكثير من الزعماء والملوك والرؤساء في العالم، الذين يقفون بسياراتهم ومواكبهم الرسمية في الإشارات المرورية؛ وذلك لأكثر من سبب منها بيان ضرورة احترام القانون من الجميع، بما فيهم القادة والزعماء، وأن القانون لا يحابي أحداً، وأنهم جزء من الشعب، وليسوا من كوكب آخر، وغيرها من الرسائل العملية، التي تحث الآخرين على احترام النظام، وبالمحصلة احترام هيبة الدولة.
وزير حقوق الإنسان لم يكتف بما جرى من استخفاف بالقوانين والمواطنين، بل وجدناه بعد الحادثة يعيد القول بأن" رجال المرور تجاوزوا على عناصر موكبه خلال مروره، ويجب أن ينالوا العقاب الشديد، وأن رجال المرور لم يغلقوا الشارع وهذا جزء من عدم احترامهم للمسؤول العراقي، خصوصاً وأنني بمنصب وزير، وأن هذا التصرف من عناصر موكبي أعاد الهيبة إلى مسؤولي الدولة"!
وهنا نقول للوزير، الذي هو وزير لحقوق الإنسان، ولا يحترم أبسط هذه الحقوق، وهو حق الاشتراك في الطريق:
إذا كان هذا التصرف غير المسؤول سيعيد للدولة هيبتها، فإن كلامك يفتح الباب على مصراعيه في الغابة العراقية، وأن الشاطر، أو الشجاع هو من يحصل على حقه بيده، أو يصادر حقوق الآخرين بقوته وسلطانه، كما فعلت أنت وحمايتك في مصادرة حقوق الآخرين!
هيبة الدولة تفرض بالعدل والإنصاف واحترام إنسانية الإنسان، وتطبيق القوانين على الكبير والصغير، والأمير والمأمور، والرئيس والمرؤوس، دون النظر لمنصب أو مكانة اجتماعية أو علمية، وحينها سنرى أن هيبة الدولة قد ترسخت في عقول الناس وضمائرهم قبل ألسنتهم!

أيها المسؤولون: احترموا القوانين في سلوكياتهم قبل أن تطلبوا من الجماهير أن تطبق القوانين، التي ربما صارت تطبق على الفقراء فقط في بلاد همشت فيها حقوق الضعفاء.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تجارة المناصب!

تناقضات!

الشرف السياسي!