المقاومة العراقية والتحديات


امتازت حركات التحرر في العالم على أنها شعبية النشأة وسريعة وغير منظمة، وهذه الميزة ليست عيبا، وإنما هي حالة صحية تعكس حقيقة الرفض الشعبي للتواجد الأجنبي في البلاد المحتلة، وهذا ما حدث بالفعل في العراق بعد عام 2003، حينما غزت أمريكا، ودون أي غطاء شرعي، أو قانوني أراضي الدولة العراقية، وتسببت بإدخال البلاد في مستنقع الاحتلال حتى الساعة.


ومنذ الساعات الأولى للاحتلال هبّ العراقيون من اجل تخليص وطنهم من الغرباء، ومنذ تلك الساعة بدأت نواة تحركات المقاومة البطلة في العراق. 
وبعد بضعة شهور وتحديدا في الشهر السابع من عام 2003، أُعلنت العديد من التشكيلات الجهادية في العراق، والتي دعت إلى مقاومة الاحتلال حتى خروجه من البلاد، وأَعلنت معارضتها لمهزلة مجلس الحكم، والعملية السياسية السقيمة التي تمخضت عنه، وكذلك صيغة الدستور الدائم.

ويدعي أعداء المقاومة العراقية أنها تلاشت، أو ضعفت، والحقيقة أنها اليوم ليست هي نفس المقاومة الموجودة في الأعوام الأربعة الأولى من الاحتلال، إلا أنها ما زالت موجودة ومستمرة وبقوة وهذا ما تؤكده مواقع هذه الفصائل على الانترنيت، حيث ان هذه المواقع ما زالت تنشر عملياتها العسكرية ضد الاحتلال، وكذلك ما تؤكده وسائل الإعلام المختلفة. 
ولتأكيد تواجد المقاومة العراقية في الساحة، ولإثبات أن الأعداء يحالون تزييف الحقائق القائمة على الأرض، عقد قبل أيام، في العاصمة اللبنانية بيروت مؤتمرا أقامه الملتقى العربي الدولي لدعم المقاومة للفترة من 15-17/1/2001، شاركت فيه المقاومة العراقية، وكان حضورها متميزا، على الرغم من الإجراءات الأمنية، وقد ألقى فضيلة الشيخ حارث الضاري أمين عام هيئة علماء المسلمين في العراق، كلمة في الملتقى سلط فيها الضوء على نشأة المقاومة العراقية وتطورها وأولوياتها وأهدافها ومنجزاتها وختم كلمته بما تشكو منه المقاومة العراقية وهذا ما سنسلط عليه الأضواء في بقية الكلام.

ونحن على أعتاب السنة الثامنة من الاحتلال الخبيث، مازالت المقاومة العراقية الباسلة هي اللاعب الأساسي في الساحة العراقية، رغم محاولات البيت الأبيض وساسة المنطقة الخضراء إظهار نجاح مهزلة العملية السياسية، ومازالت المقاومة ـ حتى الساعة ـ تلحق الخسائر الفادحة بقوات الاحتلال، على الرغم من توقيع اتفاقية الذل والخنوع .

المعروف ان حركات التحرر في العالم تحتاج إلى الدعم من اجل استمرارها في نضالها، وهذا ما حدث في اغلب مواجهات هذه الحركات مع قوات الظلام، فالمقاومة الفيتنامية، على سبيل المثال، كانت مدعومة من قبل الاتحاد السوفيتي السابق، وبفضل هذا الدعم اللا محدود استطاعت ان تهزم أمريكا، في واحدة من الملاحم الكبرى في العصر الحديث، أما المقاومة العراقية فأنها تشكو وتعاني من جملة من المضايقات، والأمر لا يتوقف عند عدم وجود جهات داعمة، بل يتعدى إلى التضييق العلني الأمريكي، بحيث وصل إلى درجة تجميد أموال جهات، وشخصيات يعتقد أنها قريبة من المقاومة.

وعليه فان المقاومة العراقية مستمرة حتى الساعة، بفضل الله أولا، ثم بالجهود الذاتية لرجالها الذين ضحوا بكل ما يملكون؛ من أجل شراء طلقة لقنص جندي أمريكي حاقد مازال يقتل أطفالنا، ويرمل نسائنا؛ بحجة تحرير ونشر الديمقراطية في العراق . 
ومما تعاني منه المقاومة العراقية هو افتقارها إلى الدعم السياسي من أغلب الدول العربية، مما يجعلها في وضع خانق، ويسبب نوعا من الضغط عليها. 
وأيضاً تعاني المقاومة العراقية من التشويه الإعلامي الواضح والمستمر، من قبل أغلب القنوات الفضائية للعمليات القتالية التي تستهدف المحتل، والحقيقة ان ما يجري اليوم على الساحة العراقية من قتل للمدنيين، فان المقاومة بريئة منه؛ لأنه جزء من الشحن الطائفي من قبل الاحتلال وحكوماته؛ بعد أن وجدت هذه الحكومات أن مشروعها الطائفي قد أجهض بوعي أبناء بلدنا الذين لم يعرفوا هذه الأطروحات من قبل.

الجانب الآخر من المؤامرة التي تحاك ضد المقاومة هو التضييق على وسائل الإعلام المتعاطفة مع المقاومة، وما قرار أمريكا الأخير بمحاولة إغلاق بعض القنوات، التي تفضح الجرائم الأمريكية والصهيونية، إلا شهادة واضحة على ما نقول، حيث قرر الكونغرس الأمريكي معاقبة الأقمار الاصطناعية العربية التي تسمح ببث قنوات تعتبرها واشنطن معادية لها، خاصة "الرافدين" و'الأقصى"، وغيرهما. 
وعلى العموم فان المقاومة العراقية امتازت بجملة من الخصائص منها:ـ

1- سرعة النشوء والتكوين والترتيب، حيث إن العديد من الفصائل كانت في الواقع قد بدأت نشاطها منذ الأيام الأولى للاحتلال، إلا أن إعلانها الرسمي قد تأخر. 
2- أنها متنوعة التكوين، أي أنها تتكون من كافة شرائح المجتمع تقريباً، بكافة مستوياتها العلمية والمذهبية والعرقية، حيث يدعي أعداء المقاومة العراقية أن نسبة كبيرة منها هم من العاطلين عن العمل، والواقع أن هذا الكلام غير دقيق، ولا أرضية له في فصائل المقاومة، حيث إنها تضم نخبا من المجتمع العراقي بكافة مستوياته العلمية والاجتماعية. 
وهناك من يصنف المقاومة في العراق على أنها مقاومة سنية فقط، وذلك ضمن مسلسل الحراك الطائفي البغيض الذي يراد زرعه بين مكونات الشعب العراقي، إلا أن واقع المقاومة أنها مزيج من كافة أبناء الشعب العراقي سنة وشيعة عربا وأكرادا ومسيحيين وبقية الأقليات من أبناء شعبنا العراقي، وبنسب متفاوتة.

3- الدعم الشعبي كان واضحا منذ الأيام الأولى لانطلاق المقاومة، وكانت الجماهير العراقية هي الحاضنة لرجال المقاومة، وأيضاً فان المقاومة لم تقتصر على الرجال فقط، بل شملت النساء والشيوخ والعجائز، وحتى الصبية أحيانا، وبمهام مختلفة من منطقة إلى أخرى. 
4- امتازت المقاومة العراقية بالروح المعنوية العالية في مجابهة آلة الحرب الأمريكية والبريطانية على الرغم من البون الشاسع في القوة بين الجانبين، إلا أنها استطاعت ان تلحق الأذى الكبير بالعدو. 
5- امتازت بشراستها وقدرتها على الوصول لأهداف حيوية للمحتل، على الرغم من التحصينات الكبيرة للاحتلال، وقدرته الدفاعية المادية والالكترونية. 
6- ابتعادها على الثوب الطائفي، وبراءتها من الإعمال الإجرامية التي تستهدف المدنيين ، على الرغم من محاولات الاحتلال وحكوماته الأربعة إلصاقها بالمقاومة. 
7- قدرتها على تصوير العمليات الجهادية من أرض المعركة على الرغم من الهيجان الأمريكي بعد كل عملية، حيث تقوم تلك القوات بالرمي العشوائي، وعلى الرغم من كل ذلك، نجحت المقاومة في عمل إرشيف كبير من العمليات الجهادية ضد الاحتلال وخصوصا عمليا القنص لجنوده الأشرار.

8- الحكمة وعدم التعجل لقطف ثمار المنازلة التي يتحلها بها قادة معظم فصائل المقاومة ، جعل قادة الاحتلال في حيرة من أمرهم، على الرغم من المغريات المادية الكبيرة التي يبذلها الاحتلال لإجهاض المقاومة. 
وفي خاتمة القول نؤكد على أن المقاومة العراقية ستنتصر في نهاية المطاف على الرغم من كل المضايقات والصعوبات، " إن موعدكم الصبح ... أليس الصبح بقريب". 
Jasemj1967@yahoo.com

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ملآذات كانت آمنة!

الأخوة "الأعداء"!

تناقضات!